|
السفير د. عبدالله الأشعل

مخاطر عدم الجدية فى التعامل مع نظام مبارك
أدت عوامل كثيرة إلى تهاون الحكم العسكرى الانتقالى فى مصر مع نظام مبارك
ورموزه فى كل المجالات والملفات إلى انتشار الشعور عند الشعب المصرى بالتواطؤ
مع نظام مبارك خاصة أن النظام ظل فى مكانه دون المساس به فى جميع المواقع ولم
يترك متسعاً للشعور بأن التغيير ممكن. من هذه العوامل يقين الشعب بأن المجلس
العسكرى يراعى ارتباطات النظام ورموزه بالخارج وحرص هذا الخارج على عدم المساس
بمبارك ونظامه. وحتى عندما ضغط الشعب لمحاكمة بعض رموز النظام فإن المحاكمات
بدت سطحية وهزلية لا تشفى غليل الشعب الذى ضحى بكل شىء لإزاحة النظام وكان
يتوقع أن يرى ثمار هذه التضحية بشكل فورى. أول هذه الثمار إعادة الاحترام
والكرامة للشعب الذى عانى ثلاثين عاماً وحقن دماء الشباب، ولكن النتيجة كانت
عكسية تماماً، فقد ارتفعت حصيلة الشهداء والمصابين وتساوت الشرطة العسكرية مع
أمن الدولة والأمن المركزى، ولكن اللافت للأنظارهو أن مواجهة الشعب المسالم
المعترض على مخطط استعباده تمت بكل عناد وقسوة ونية صادمة فى الإبادة. استمرت
حملة مطاردة الثوار ومحاكمتهم محاكمة عسكرية، بينما يحاكم النظام ورموزه بكل
حنان ودلال واستفزاز ففى الوقت الذى يمعن فيه محامى مبارك فى تحدى مشاعر الشعب،
ترتفع صرخات الشعب المظلوم الذى يعانى الإحباط والقهر وتفاقم أوضاع الحياة فى
مصر وتسرب الشعور إلى الشعب بأن هناك مسرحية تدار بها البلاد وبدأ التشكيك فى
أن هناك ثورة، وبدأ رموز النظام السابق يتحدثون عن التسامح والديمقراطية ورفض
العزل السياسى والقانونى، وزاد هؤلاء فى استفزازهم أنهم دبروا أمورهم فى
الشهورالأولى بعد الثورة فهربت الأموال ودمرت أدلة الإدانه وتقاعس النظام الذى
استمر بعد الثورة عن تقديم أى صورة من صور التعاون لإظهار العدالة. وقد وقعت
السلطة فى مصر فى خطأ قاتل عندما راعت مصالح النظام وفساده واحتكاراته، بينما
أطلقت التصريحات الفارغة والكاذبة لصالح الثورة والثوار.
على أن ما تحقق من نتائج بعد الثورة، تحقق بحكم الضغط الشعبى رغم محاولات تمزيق
الصفوف وخلق الأزمات وأخطرها الأمن والاقتصاد غير أن ما يهدد مصر الآن هو عدم
الجدية فى إزاحة فساد النظام وتطبيق عدالة ناجزة تطهر البلاد وتقوم على تشريعات
مناسبة لهذه الحالة النادرة فى تاريخ مصر. ووجه الندرة والعظمة فى هذه الحالة،
هى أن الفساد والقهر والتجبر والإصرار على التوريث واستعباد الناس وتدهور
أحوالهم وتقزيم دولتهم وبيعها لدول الإقليم فى سوق النخاسة بصورة لم يسبق لها
مثيل وخيانة للوطن لم يعهدها المصريون، قد أدى إلى أن هذا الشعب الصابر قد أجمع
يوم الثورة على رحيل النظام وسقوطه ومحاكمته وإقامة نظام جديد يحقق أهداف
الثورة وهى الخبز والكرامة والعدالة الاجتماعية وهى مطالب عادية فى أية دولة.
لكن يتقدم كل هذه المطالب البسيطة تطهير البلاد من النظام وجميع رموزه وأطيافه،
والكف عن التلاعب بمصير الوطن وفتح أبواب الوطن للمؤامرات والخطط الخارجية التى
لاتريد لمصر أن تقوم من قبرها الذى حفره لها أعداؤها بمعونة مبارك ونظامه. لقد
أصبح الشعب المصرى كله رغم مابدا خلال الشهور السابقة من تمزيق فى صفوفه وإحياء
لنعرات التفتيت يشعر بأن مطالبه واضحة وحاسمة وهى عدالة حقيقية، وإزاحة لشبكات
الفساد فى النظام، وتوجيه موارد الدولة فى توزيع عادل لأبنائه، بل أصبح الشعب
يشعر بالحساسية المفرطة تجاه كل من يدافع عن مبارك ونظامه فى الداخل والخارج،
ولذلك فإن الرخاوة التى وفرتها السلطة فى مصر فى عمل بدا تواطؤا ملحوظًا لتصفية
الثورة وإجهادها بل والمعاقبة على القيام بها وإنهائها، وتحويل الثوار إلى فلول
وإغفال مشاعر الشعب، دفعت بعض الرموز الكبيرة حتى إلى امتهان مشاعر هذا الشعب
وذلك بالتجول بين صفوفه معلنة عزمها على الترشيح للرئاسة وهى التى كان يجب أن
يكون مكانها السجون والمعتقلات. لقد مر العام على الثورة وقد ازدادت البلاد
بؤسا وفقرا وأزمات مع انعدام الأمن فى مشهد عبثى عجيب، ولسبب أن مبارك ونظامه
هو جذر القضية.
وقد لعب الحكم العسكرى الانتقالى فى مجال العدالة بشكل يبدو عادلاً، ولكنه
الافتئات الحق على العدالة الحقيقية. ذلك أن النائب العام الذى يتهمه الشعب
بأنه يدير الأمور بطريقة تكفل حماية المجرمين وبطريقة قانونية قد أصدر قرار
إحالة مبارك بتهمة واحدة جديدة خلال الثورة وهى "الاشتراك" فى قتل المتظاهرين،
ثم كان اللغز الثانى وهو إغراق المحكمة فى إجراءات القانون الجنائى العادى،
بينما الجرائم لم يتوقعها المشروع الجنائى فى كل العصور، فسارت المحكمة فى شكل
يبدو قانونياً، ولكنه هزلى فى طريقته، أدى إلى انهيار الثقة فى العدالة
والمطالبة بالقصاص الشخصى، كما أنه أعطى جرعة كبرى من البجاحة للمجرمين، فليس
معقولاً أن يحاكم أنجال مبارك من باب الكسب غير المشروع . كانت العدالة تقتضى
لوصحت النوايا واستقام القصد أن تتم مصادرة كل أملاك رموز النظام جميعاً وليس
عينة منهم لأنهم أموال الشعب، ثم تنصب المحاكم وفق قرار الإحالة الشامل عن كل
التهم ثم تسترد الأموال والأشخاص ويتم المحاكمة على تهريبهم وعلى تدمير أدلة
الإدانة فى جميع وزارات وقصور الرئاسة ومحاكمة كل من شارك فى عصابة مبارك طوال
ثلاثين عاماً بالفعل أو القول أو المشاهدة والإقرار وتسويق الفواحش على أنها
فضائل فى جميع قطاعات الحياة العامة والخاصة. وأن يراعى فى المحاكمة أن السلطة
عندما تقتل الشعب دفاعاً عن استمرارها فى الفساد، فإنها جريمة مركبة يسأل عنها
كل القيادات ثم الأتباع، لأنها جرائم من نوع خاص لم تألفه مصر، وأن هذا القهر
والقمع خلف آلاف الضحايا، فضلاً عن ضحايا الفساد وإبادة المجتمع المصرى
ومسئولية الرئيس ونظامه عما لحق بمصير الوطن من إذلال ومهانة وضياع المصالح
المشروعة وإهدارها.
لكل هذه الأسباب، لابد من استمرار الثورة كحالة ونفس وليس كحادث وواقعة
المجلس العسكرى وأمانة إنقاذ مصر
لا يشك أحد فى أن المجلس العسكرى يبذل أقصى الجهد لكى تعبر مصر إلى بر الأمان
وأن يكون لديها نظام ديمقراطى ويسجل له التاريخ هذا الدور العظيم. من ناحية
أخرى فإن أعضاء المجلس العسكرى هم من أبناء الشعب يدركون مثله أن الثورة قامت
للتخلص من نظام فاسد قتل مصر والمصريين وأذلهم، وحاول قمع ثورتهم، ثم يحاول مرة
أخرى الانقضاض عليهم، وأن لهذه الثورة مطالب أجمع الناس عليها بعضها يتعلق
بتهيئة مصر للتطور السياسى الجديد، وبعضها الآخر يتعلق بالاسراع فى تحسين أحوال
المصريين. ولكنى أقول بأمانة أن نصف العام قد انقضى ولم يشعر الناس بأى إنجاز
يذكر رغم أن حكومات شرف تعمل 24 ساعة، فلايزال المجتمع على حاله من فقره
وأحيانا قهره وتردى أحوال فئات جديدة منه بسبب توقف بعض مناشط الحياة كالسياحة
وغيرها، ولايزال المجلس يتصرف من طرف واحد ولايتجاوب مع الشعب ولا أدرى لماذا
يترك المجلس المظاهرات والاعتصامات دون أن يضع أمامه جدول مطالبهم وأن يقوم
بمساعدة مصر على العبور.
جميل أن نتحدث عن ترتيبات الانتخابات وقوانين ممارسة الحقوق السياسية، وجميل أن
يشعر الناس بالحرية، لكن الأهم من الحرية هو أن يكون لديهم أمل. إذا كان المجلس
يعتقد أن عليه أن يسلم الأمانة بعد المرحلة الانتقالية لحكومة منتخبة فهذه بعض
مهامه، ولكن مهمته الأكبر التى سوف يسجل التاريخ له فيها صفحة ناصعة هى أن يحقق
إنجازات حاسمة فى تنظيف مصر من النظام السابق الذى يحول دون تطورها، وذلك بعدد
من الاجراءات، وكذلك وضع منظومة متكاملة لإعادة تأهيل الأجهزة الأمنية التى
ارتبطت بشدة بنظام الأمن القمعى، كلما مر يوم دون تحقيق ذلك اتسعت الهوة بين
الناس وأملهم فى بلد مستقر له شرطة وطنية تحفظ أمنه بدل الشرطة التى عصفت بأمنه
وتربصت بمقدراته، كما يتزايد ضحايا ذيول هذه المرحلة من رجال الشرطة الذين
يتعرضون يومياً للاعتداء. لقد حذرنا مئات المرات خلال عهد النظام البائد بأن
قسوة الشرطة على البسطاء سوف تؤدى إلى انفجار يطيح بهيبة الشرطة فى نفوس
المنحرفين، فلا يجد الناس من يحميهم من خطر البلطجية، خصوصاً وأن النظام اعتمد
على البلطجية لنشر السلوك البربرى بين الناس.
نريد محاكمات عادلة وناجزة ومحاكم متخصصة، فالحق أعلى من كل الحسابات والرؤوس،
كما نريد أن نرى فارقاً فى الحياة اليومية بين ما سبق وما حل بنا وأن يعود
الأمل إلينا. لماذا لا يتواصل المجلس الأعلى مباشرة مع الشعب أسبوعياً ليجييب
عن مطالبه، فلا يعقل أن يتصرف المجلس وحده والناس من حوله يختلفون ويتندرون.
المطلوب أن يدرك المجلس الأعلى مضمون البيان الأول بأنه حارس للثورة وأمين على
تنفيذ أهدافها ولذلك فهو ليس بحاجة إلى إعتصامات أو محاولة إنهاء هذه
الاعتصامات فقد أصاب الناس الارهاق وظنوا أن مشاكلهم سوف تعرف الطريق إلى الحل
وأن آمالهم سوف تتحقق ويثور السؤال الكبير إذا كان المجلس مدركاً لهذه الحقائق
فلماذا يكون هذا الفرق الهائل بين المطلوب والمتحقق وهل يدرك المجلس أن الوقت
حاسم وأن مصر أمانة وأن المجتمع يريد أن يتقدم إلى الأمام بإطمئنان بعد زوال
جثة النظام السابق التى تزكم الأنوف وتعترض الطريق.
لعل مأساة ما حدث في العباسية تدفع المجلس الي الاسراع باعلان برنامج التطهير
وان يشعر الشعب ان مصر قد تحررت ارادتها وتلك فرصة تاريخية لاتضيع من يد المجلس
لاي سبب لان الله الذي شاء ازاحة مبارك ..نريد أن يتم فضله على مصر وعلينا..
فليكن المجلس في معية الله في هذه الظروف الحرجة.
هل
يبرر سلامة جريمة الغاز دفاعا عن موسي ؟
عندما نشر خطاب عمرو موسى وزير الخارجية عام 1993 إلى السيد وزير البترول حمدى
البمبى، منذ أيام كان ذلك دليلاً دامغاً ملموساً وليس مفترضاً على أن عمرو موسى
كان من أشد المتحمسين والداعمين لتصدير الغاز لإسرائيل، حيث ورد فى خطابه أنه
يعتبر تصدير الغاز له أولوية. فلماذا أيد عمرو موسى بحماس تصدير الغاز لإسرائيل؟
الإجابة ببساطة هى أن عقيدة نظام مبارك هو خدمة مصالح إسرائيل على حساب المصالح
المصرية وأن الوزراء يختارون على أساس تاريخهم واستعدادهم لتحقيق هذا الهدف،
وربما أدرك الوزراء أن تفضيل إسرائيل بشكل لافت هى مجاملة للرئيس الذى من عليهم
ورفعهم من ضيعة إلى عرش مصر. ولكن المفاجأة هى أن السيد عمرو موسى قدم تفسيراً
آخر، إن كان يثق فيه حقاً، فهو كارثة بالنسبة لقدرة وزير خارجية مصر على فهم
أصول اللعبة مع إسرائيل خاصة وأنه يقدم نفسه كرجل عروبى وقومى وقال عنه الملك
حسين ذات يوم أنه فارس العرب على سبيل التهكم بالطبع. قال موسى أن تصدير الغاز
لإسرائيل كان موقفاً مصرياً شارك فيه لأن له هدفاً أسمى وهو إغراء إسرائيل
بالإقبال على السلام مع الفلسطينيين عندما تدرك فائدة هذه الجائزة الغازية!
وإذا كان تصدير الغاز لإسرائيل أحد أدوات تشجيع إسرائيل على إدراك مزايا السلام
فلماذا يتم إرهاق الشعب المصرى بتصدير الغاز خصماً من قوت هذا الشعب ومن خلال
عملية خديعة اشترك فيها رأس العصابة وأعضاء هذه العصابة ومنهم طبعاً وزراؤه
الذين تسابقوا على ارضاء إسرائيل تقرباً من رئيس عصابتهم؟ وهل يشك موسى فى أن
مبارك رئيس عصابة وأن وزراءه هم أعضاؤها؟.
إذا كان موسى يدفع بحجة تشجيع إسرائيل عن يقين فهو لا يصلح لأى عمل خارجى، وإذا
كان يدفع بهذه الحجة للافلات من الفضيحة فهذا أسلوب اعتاد عليه النظام الذى خرج
هو من رحمه ولا ينطلى على هذا الشعب الذكى، ولكن الأهم أن موسى يزور التاريخ
تماماً كما فعل د. مفيد شهاب المتحدث باسم العصابة حينذاك ووزير البترول السجين
الذين سوغوا تصدير الغاز بأنه من التزامات معاهدة السلام وكأن النظام يحترم
القانون الدولى ولو على حساب الدستور ومصالح الشعب مادام يستمد شرعيته من
إسرائيل.
لفت نظرى وآلمنى أن رجلاً مثقفاً بحجم الأستاذ سلامة أحمد سلامة فى الشروق يوم
2/7/2011 يصدق ما قاله عمرو موسى إذ كتب يقول فى عموده اليومى "والذين يثيرون"
موضوع بيع الغاز لإسرائيل فى وقت كان العرب ينهجون سياسة المفاوضات متعددة
الأطراف لحمل إسرائيل على تمكين الفلسطينيين من الحصول على حقوقهم ينهجون
أسلوباً غير منصف فى الدعاية ضد عمرو موسى".
هو إذن يدافع عن عمرو موسى ضد ناقديه بسبب تصدير الغاز اقتناعا بحجته وهى أن
العرب أرادوا بالتعاون المتعدد الأطراف تمكين الفلسطينيين من الحصول على حقوقهم،
ولكن كان بوسع موسى وقد طلب رأى الخارجية أن يقول أنه لا مانع من الناحية
السياسية، كما أن هذا الفهم يناقض الواقع لأنه لا يمكن تبرير فضيحة الغاز بأنه
إسهام مصرى ضمن الجهود العربية لصالح الفلسطينيين، بل العكس لأن دعم الدولة
العبرية وحصار غزة من جانب نفس النظام الذى ينتمى إليه موسى هو الذى أضر بحياة
الفلسطينيين وبدد أملهم فى الحصول على الحقوق.
وهذا الفهم كارثة للمؤرخين إذا صدر عن كاتب مرموق بهذا الحجم، وإننى لأرجو أن
يكون هذا الرأى تعاطفاً مع موسى لأى سبب وليس تبريراً لجريمة تصدير الغاز، فمن
حق سلامة أن ينضم إلى جريدته فى دعم موسى والدفاع عنه، ولكن ليس من حقه تبرير
جريمة الغاز بهذا التبرير الفج الذى يذهب العقول ويضلل الناس والكتاب.
لقد كان مؤتمر مدريد تمثيلية يعلم الجميع أدوارهم فيها، وهم مجمعون على
الأمتثال للنص الصهيونى، وإنى لأرجو أجيالنا من الشباب أن يدلونا على مكسب واحد
منذ 1991 حققه الفلسطينييون من مدريد سوى حصاد الهشيم، فلا يجوز بعد كل ذلك أن
تبرروا جريمة الغاز حباً فى موسى وروايته المشبوهة!.
الخلاصة أنه إذا كان تصدير الغاز لإسرائيل فضيحة وجريمة فإن كل من شارك فى
التصدير خاصة بحماس واضح كما فى حالة عمرو موسى فإنه يجب أن تشمله التحقيقات،
ولا يجدى تبرير هذه الجريمة هذا التبرير الساذج وهو تشجيع إسرائيل على منح
الفلسطينيين حقوقهم وقد أسهمت فضيحة الغاز وغيرها من أساليب دعم إسرائيل إلى
ضياع حقوق الفلسطينيين السياسية بالاضافة إلى ما يدفعه المصريون حتى الآن فى
هذه الصفقة الفاسدة والتى تعد أحد تجليات خضوع نظام مبارك بكل أعضائه بمن فيهم
وزير الخارجية لمشيئة إسرائيل.
المماحكات القانونية الإسرائيلية ضد مصر
كبر على إسرائيل أن ترى مصر بلا مبارك كنزها الاستراتيجى ولذلك تنظر إليه وهو حسير فى شرم الشيخ بعد أن عجزت عن حمايته من غضبة الشعب، وكوارثها النفسية تتوالى ولذلك فهمت إسرائيل الآن فقط مغزى كلام أولمرت رئيس الوزراء السابق خلال مشادة أهانت فيها ليفنى وزيرة الخارجية حينذاك مبارك شخصياً وابتلع الإهانة بسبب عمق ما بين الرجل وإسرائيل واكتفى بالقول بأن ليفنى تجاوزت جميع الخطوط الحمراء معى ولكنى حريص على العلاقات مع إسرائيل يومها قال أولمرت ربنا يطول عمرك ياريس والله ما نعرف من غيرك حنعمل إيه. طبعاً إذا كان الرئيس قد باع كرامته لإسرائيل، ولوى عنق مصر كلها لبد بحجم القرية صغيرة فيها ولم يرحم مكانة مصر العظيمة التى سمحت لعصابته بالحديث بإسمها، فقد وضعت إسرائيل وزير خارجية مصر السابق على القائمة السوداء، وهو فى كل الأحوال كان تابعاً لمدير المخابرات فى جميع تنقلاته، وكان طبيعياً أن يقول أنه سوف يكسر رحيل أى فلسطينى يعبر إلى سيناء وكأنه رجل مغرق فى الوطنية ضد أعدائها.
هذا الفراغ النفسى هو جوهر الأمر فى تفسير موقف إسرائيل فضلا عما يزعجها فى استعادة مصر لدورها الذى تراها طرحا من مشروعها وعبئاً عليه. فعمدت إلى هذه المناكفات القانونية التى ستظل رغم سطحيتها وتفاهماتها. فى موضوع الغاز أطلق حلفاؤها التصريحات فى الإعلام مهددين باللجوء إلى التحكيم الدولى ضد مصر لعدة أسباب منها أن مصر عجزت عن توفير الحماية لاستثمار أمريكى بعد أن باع حسين سالم حصته فى الشركة التى تصدر لإسرائيل لأحد الأمريكيين. أى أن هذا الاتهام يريد أن يحتكم إلى الاتفاقية المصرية الأمريكية لحماية وتشجيع الاستثمار بافتراض أن الشركة قد أصبحت أمريكية، ولو صح ذلك لفقدت الشركة أصلا سبب تعاقدها بسبب التحايل وأصبح العقد باطلا لمجرد اخفاء الطرف الذى تم التعاقد معه وتغيبر صفته، فقد تم التعاقد مع الشركة وهى مصرية والعقد وطنى والقضاء المصرى هو المختص بالفصل فى منازعات العقد. وإذا أصرت الشركة فى ثوبها الجديد على الاحتكام إلى مركز واشنطن فهى قضية محكوم عليها بالفشل، بل تطلب مصر تعويضات عما أصابها من النظام المتآمر السابق. ولذلك يجب أن نسارع إلى تقديم مبارك وأعضاء عصابته ممن يطلق عليهم سياسياً الآن آل مبارك إلى محاكمة سياسية لأن هذه المحاكمة سوف تسمح بإعادة النظر فى جميع العقود والمعاهدات التى أبرمها النظام نيابة عن مصر وتطبيق نظرية الصحيفة البيضاء التى يسمح للدولة التى تستقل حديثاً بألا تقبل من لتزامات المحتل نيابة عنها إلا ما يتعلق منها بمصالحها. هذه حالة شاذة، فالعادة أن تلتزم الحكومة الجديدة بكل المعاهدات التى أبرمتها الحكومات السابقه كما فعل المجلس العسكرى، ولكن المحاكمة السياسية لمبارك ونظامه سوف تسمح بالاستفادة من المليارات التى منحها مبارك للأطراف الأجنبية فى العقود وعودتها إلى الشعب المصرى.
أما المماحكة الثانية فهى التلويج باللجوء إلى التحكيم بسبب إخلال مصر بإتفاقية السلام، وهذا قول مردود، ذلك أن مصر حرة فى أن تفتح المعبر أو تغلقه ولاعلاقة للمعبر بمعاهدة السلام، وعلى أية حال فإن المادة السابعة فى المعاهدة تقضى بأن أى نزاع حول تفسير المعاهدة أو تطبيقها يجب أن يحل أولاً بالمفاوضات ثم بالتوفيق وأخيراً بالتحكيم.
الهدف من هذه المماحكات إشعار المجتمع المصرى بالتوتر ليدفع ثمن تحرره، والحكومة المصرية بالإرباك حتى تتردد فى سياساتها التحررية. وقد يكون من المناسب إنشاء مركز لإدارة الأزمة يقرر ما يرسل للإعلام والرأى العام ويستعد لكل الاحتمالات، فالمؤامرات لن تنتهى والمماحكات لا تتناهى.
هل مصر
بحاجة إلى ثورة جديدة ؟
هناك شعور يتنامى فى
الشارع المصرى بأن الثورة فى خطر وأن أهدافها تتبدد وأن محاولات الانقضاض عليها
مستمرة ولكن الشارع لا يعرف كيف يصده ويحمى الثورة وهناك دعوات تتوارد بحشد
مليونيات جديدة والاعتصام حتى يتم حماية الثورة.
يشعر الناس بأن هناك ازمات خانقة تهدد مكاسب الثورة وتجعل الأمل فى إنشاء نظام
سياسى جديد يتباعد، ويلاحظون أن هناك مناخاً سلبياً لا يساعد على التفاؤل بسبب
ما يرونه فى حياتهم اليومية، فلا يزال بقايا النظام والحزب الوطنى فى أماكنهم
ولا يزال برموزهم الإعلامية والسياسية دور فى تسميم الرأى العام فتنتشر
الشائعات ويتزايد التشدد وتطل الفتنة الطائفية بإلحاح ويعترف المجلس العسكرى
والحكومة بمؤامرة خارجية وداخلية وتظهر أزمات الوقود بفعل فاعل فى البوتوجاز
والسولار والخبز وأسعار المواد الأساسية وانفلات الأمن والبلطجة وبطء المحاكمات
وبالونات الاختبار من شأن العفو والعوار فى قانون الأحزاب والاستقطاب فى الحياة
السياسية وذلك كله يقترن بحكومة ضعيفة فلا يمكن أن نتصور أن مصر الكبيرة لا تجد
حكومة قوية كما أنه إذا صح أن وزير الخارجية يتم إبعاده إلى الجامعة العربية
وذلك بتعيين أحد مدرسة التربية الأمريكية فإن ذلك يعنى أن الثورة بالفعل قد تم
تصفيتها.
إننى أطالب بثورة جديدة ولكن لابد من تقديم بيان بالمطالبات الفورية ذات
الأولوية إلى المجلس الأعلى وأن يعطى فرصة لتنفيذها وعلى رأسها تقديم الشكر
والعرفان لحكومة الدكتور شرف التى تصلح فى ظروف هادئة أما الظرف الحالى فيحتاج
إلى حكومة جسورة يستتب بها الأمن وتنضبط بها مصر بسيف القانون وتعد التربة
السياسية للنبت الجديد وتجنب مصر أى مساس يستهدف وحدة النسيج الوطنى بأى ثمن
وبأى تكلفة.
ثورة جديدة ولكن بمتطلبات محددة حتى يظل للثورة هيبتها ومبررها وعلى رأس هذه
المطالب حكومة قوية ببرنامج معلن وواضح فلا يكفى أن يحصل رئيس الحكومة على
شرعية الميدان وإنما الأهم هو فعالية الانجاز.
نحن لا نفهم لماذا يتأخر حل مشكلة الشرطة والأجهزة الأمنية كما لا نفهم البطء
فى محاكمة رموز النظام وضرورة تطبيق القصاص العادل فى رأس النظام وأن يتم البدء
فى المحاكمات بالمحاكمات السياسية ثم الجنائية ثم المالية، كذلك يتعين الأنتباه
إلى أن النظام الفاسد السابق تآمر على ثروات مصر وأبرم عقوداً مشبوهة وضمن هذه
العقود شروطاً عقابية مشددة حتى يخشى أى نظام صالح فسخ هذه العقود، وهذا موقف
عام فى جميع التصرفات السابقة الذى أهدر كل شئ فى مصر.
أما ما يقال من أن دولاً أجنبية وعربية تحرص على عدم المساس بعصابة مبارك وتهدد
بضغوط اقتصادية فإن ذلك يجب رفضه جملة وتفصيلاً واعلان أسماء هذه الدول حتى
يحدد الشعب المصرى موقفه منها ومن مصالحها فى مصر.
لابد من محاكمة مبارك وأركان عصابته محاكمة علنية حتى يثق الشعب المصرى بجدية
المحاكمة وحتى نشفى غليل المكلومين ضحيا هذه العصابة فكل من فقد حياته أو أصيب
بحالة عقلية، ومعظم المجتمع مضار من هذه العصابة يجب أن يكون محلاً للعقاب
والمحاسبة. نريد محاكمة علنية عادلة حتى تكتمل عظمة الثورة المصرية فتجمع إلى
سلميتها عزيمة أبنائها وإصرارهم، وكذلك عدالة المحاكمة رغم أن العصابة أنكرت
على الشعب كل حقوقه وخاصة الحق فى محاكمة عادلة فقد قضى الألآف من المصريين فى
قبو أمن الدولة دون محاكمة. القصاص حياة أما الانتقام فلا يجوز فى القصاص.
المصالحة
المصالحة هي أكبر اختبار
لدعاوي السلام التي تتشدق بها اسرائيل إذا ارادت السلام حقا واما الشقاق فهو طريق
تصفية القضية وهو ما حللناه باستفاضة في كتابنا الصادر هذا العام حول مخاطر
الشقاق بين فتح وحماس علي مستقيل القضية الفلسطينية.
فى الأسبوع الأخير من إبريل 2011 وقع ممثلو فتح وحماس بالأحرف الأولى على مذكرة
تفاهم تسوى الخلافات التى عطلت توقيع حماس على اتفاق المصالحة التى كانت مصر قد
أعدته بالتشاور مع كافة الأطراف الفلسطينية. وكان هذا الحدث فاتحة خير للجميع
واستبشر به الفلسطينيون الذين سئموا انشقاق أكبر فصيلين، بل واشتداد العداء
بينهما. كان الانقسام الفلسطينى آخر مسمار فى نعش القضية، وضاق الجميع بهذا
الانقسام الخطير، الذى صور حماس على أنها منشقة عن السلطة الشرعية وأنها منفصلة
بغزة عن بقية الأراضى الفلسطينية، فأصبح الانقسام الفلسطينى انقساما فى الجغرافيا
وفى كتابة التاريخ وفى التحالفات.
نأمل أن يتم مسار المصالحة بالتوقيع على الاتفاق ووضع كافة التفاصيل التى تؤدى
إلى سهولة التنفيذ على المستوى الفلسطينى. ويثير التوقيع بالأحرف الأولى على
مذكرة التفاهم ثلاثة مسائل أساسية تتعلق بأطراف المعادلة، الأولى تتعلق بالجانب
الفلسطينى، والمسألة الثانية تتعلق بالجانب المصرى الوسيط، والمسألة الثالثة
تتعلق بالبيئة الإقليمية الراهنة، وهى فى مجملها تحمل عوامل الدفع كما تحمل
احتمالات التحدى. على المستوى المصرى، لاشك أن حكومة الثورة ووزارة الخارجية
والأجهزة المصرية لم يعد يحكمها فى الوساطة سوى مصلحة الشعب الفلسطينى، وهو ما
بدا أن الأطراف الفلسطينية يتوقون إليه. ولذلك يعد هذا الحدث هو أولى ثمار الثورة
فى مجال الموقف المصرى من القضية. ولكى نعرف أبعاد هذا الموقف لابد أن نسجل أن
مصر مبارك كانت فى طريق قيادة العمل إلى تصفية القضية تماماً رغم ما كان يبدو فى
خطابها من حرص وتمسك بمصلحة الفلسطينيين. فالمصالحة فى ذاتها كانت آخر دور تلعبه
مصر فى هذه القضية المحورية التى انتزعت منها كل أوراقها.ثم كان عليها أن تقبل
إملاء الأطراف الآخرى فى منهج المصالحة، وهى أن تكون على مذهب تطويع المقاومة،
وبذلك تكون مصر مبارك قد أسهمت فى تحقيق أهداف إسرائيل. فإسرائيل لا تمانع فى
تحقيق المصالحة بشرط أن تنتهى إلى سيطرة السلطة التى تقيم معها تفاهمات أمنية
موجهة للمقاومة.
وقد استشعرت إسرائيل مخاطر المصالحة على مخططها فى فلسطين، لأن إسرائيل رتبت
برنامج الاستيطان وقتل محاولات التسوية الحقيقية على أساس الشقاق الفلسطينى،
ولذلك تعترض على هذه المصالحه، وسوف تسعى إلى تعويقها، ولكنها كانت واضحة تماماً
فى موقفها عندما هددت أبو مازن بأن عليه أن يختار بين حماس وإسرائيل، فإذا اختار
المصالحة والسعى إلى توحيد الصف والمطالبة بالحقوق الفلسطينية، فقد اختاربمعايير
إسرائيل حماس، ومادامت حماس مقاومة، وإسرائيل مغتصبة، فكأنه اختار مقاومة الغصب
الإسرائيلى.
وقد سارعت واشنطن فى سقوط جديد لأوباما بتهديد أبو مازن بقطع المعونات عنه، مما
يضع أبو مازن أمام هذه الضغوط السياسية والمالية الهائلة، فمن يقف مع أبو مازن فى
خياره الجديد وعودته إلى الساحة الفلسطينية؟.
يبدو أن خسارة حماس للجبهة السورية على الأقل وقت الاضطرابات الحالية، وتجفيف
إسرائيل منابع الحركة السياسية ودفع أبو مازن إلى الحائط من أهم العوامل الجديدة
التى أقنعت الطرفين إلى خيار المصالحة. وبصرف النظر عن مدى توفر النية فى
المصالحة وشروطها، فإن التحدى الحقيقى الذى ينتظر السلطة وحماس هو توحش إسرائيل،
الذى بلغ شأوا بعيدا عندما خرجت إسرائيل على كل منطق بأن هددت مصر إن هى فتحت
معبر رفح، وكأن إسرائيل قد أفاقت فجأة على مصر الجديدة التى لا تريد أن تشارك فى
جريمة الحصار وأن تتصرف مع غزة كما تتصرف مع منافذها الحدودية مع الدول الأخرى
المجاورة.
المصالحة الفلسطينية تعنى أن فى فلسطين سلطة واحدة وأن شئون المعبر تصبح مسألة
خالصة بين مصر وفلسطين لا دخل لإسرائيل فيها، ولذلك فإن إسرائيل لايرضيها هذا
الترتيب الذى يعنى فشل خطة الضغط على حماس فى غزة واستكمال إبادة الشعب الفلسطينى.
مطلوب من العالم العربى مساندة الفلسطينيين حتى يستغنوا عن المعونة التى نالت من
حقهم بالمطالبة بحقوقهم وكانت ثمن خضوعهم لمخطط تهويد فلسطين ومطلوب من الشعب
المصرى أن يساند خط حكومته الوطنية فى الدفاع عن قراراتها الوطنية المستقلة، لأن
أعداء مصر لا يريدون لها أن تتنفس بحرية وأن تمتد قامتها إلى السماء ويأبون إلا
أن تظل خاضعة لهم وشعبها خاضع لجلاديه. سقطت المعادلة فى شقها الأول بزوال الجلاد
الحليف لأعداء الشعب، وبقيت الضغوط الخارجية التى تستنكر على مصر أن تكون حرة.
أسطورة القاعدة فى الاستراتيجية الأمريكية
أعلنت
الولايات المتحدة فجر يوم 2/5/2011 على لسان الرئيس أوباما نفسه بأن قواتها فى
باكستان قد قتلت بن لادن بطلقة فى رأسه، ثم أعلنت بعد ذلك أن جثته قد دفنت فى
البحر. توالت ردود الأفعال على مقتل بن لادن ويهمنا منها رد الفعل الإسرائيلى.
فقد هنأت تسيبى ليفنى الشعب الأمريكى بمقتل بن لادن، أما وزير خارجية إسرائيل
ليبرمان فقد أعلن عن سعادته لأن مقتل بن لادن خفف عن إسرائيل ما كانت تخطط له
القاعدة من التواجد فى الضفة الغربية وغزة. فإذا كان أوباما بدا منتصرا لهذا
العمل حتى ترجح كفته فى انتخابات التجديد للرئيس بعد أقل من عامين ومع بدء
حملته الأنتخابية المبكرة، فإن معنى مقتل بن لادن أن أوباما حقق ما عجز عنه بوش
صاحب الحملة الدولية لمقاومة الإرهاب الذى تقوده القاعدة برئاسة بن لادن، أى أن
الديمقراطيين الذين اتهموا باللين فى مواجهة الإرهاب هم أكثر فعالية فى ضرب رأس
الإرهاب. وهذا أمر يمكن فهمه فى السياق الأمريكى الذى شد نظامها الرأى العام
بحدة إلى مخاطر القاعدة منذ هجمات سبتمبر التى لم يقم دليل واحد حتى الآن يؤكد
أن القاعدة هى التى قامت بهذه الهجمات، وقد دفع العالمان العربى والإسلامى
ثمناً باهظاً لهذا العمل الذى لم يرتكبوه بينما جنت إسرائيل كل الثمار إذ تشير
أصابع الاتهام إلى دور الموساد والمخابرات الأمريكية فى صناعته. أما على
المستوى الدولى، فليس هناك ما يشير إلى أن مقتل بن لادن سوف يؤثر على القاعدة،
فقد قتل عدد من قادتها الميدانيين ومع ذلك تطالعنا الأنباء بعملياتها المدمرة
فى الساحات العربية.
وراء هذا المشهد الذى يريد الإعلام الغربى أن يحشرنا فيه، ماهو أثر القاعدة على
الولايات المتحدة وإسرائيل؟ منذ تفجير السفارات الأمريكية فى كينيا وتنزانيا فى
نهاية القرن الماضى، ظهر اسم القاعدة الذى عرفناه أصلا من الإعلام الأمريكى بعد
ذلك بثلاث سنوات عام 2001 وليس فى التحقيقات الأمريكية أى دليل، وإنما استندت
كل التحقيقات إلى اعتراف منسوب لبن لادن بأن تنظيم القاعدة هو الذى نظم ما
أسماه "غزوة نيويورك". صحيح أن المشهد العام يشى بأن الصراع بين الهيمنة
الأمريكية واحتلالها لدول عربية وإسلامية ودعمها لإسرائيل، وبين رفض هذه
الهيمنة، بأن القاعدة تعادى هذه الهيمنة، والصراع بينهما متصل. ولكن المتأمل فى
عمليات القاعدة ومساحاتها يرى بوضوح أنها تتخذ من الساحات العربية فى السعودية
والعراق واليمن والجزائر والمغرب وغيرها مسرحا رئيسياً لهذه العمليات، فما هو
الضرر للمصالح الأمريكية والإسرائيلية التى نذرت القاعدة نفسها للتصدى لها؟ لقد
أضرت القاعدة بالمقاومة العراقية، وصار التهديد الأمريكى والإسرائيلى بوجودها
فى مكان مبرراً للوجود العسكرى الأمريكى، فما دامت القاعدة موجودة فى أى مكان
فى الأراضى العربية ادعت واشنطن أنها هى التى تتصدى لها. حدث ذلك فى اليمن
عندما أصرت واشنطن على وجود القاعدة مما يبرر قيام واشنطن دون إذن اليمن أو
التشاور معها بضرب أهدافها حتى كاد اليمن أن يعلن أنه لا وجود للقاعدةفى أراضيه
حتى لايتحول اليمن إلى باكستان أو أفغانستان أخرى.
كذلك لوح القذافى بأن ثوار ليبيا مدعومون من القاعدة وأن رحيله سيعجل باستقرار
القاعدة فى ليبيا، وذلك أملا فى أن تبقى عليه واشنطن، ويبدو أن هذه اللعبة التى
يفهمها الطرفان قد سادت وأصبح الثوار كالأيتام على مآدب اللئام.
وعندما احتلت واشنطن العراق قدمت ضمن مبررات الاحتلال مطاردة القاعدة التى زعمت
أن صدام حسين استقدمها إلى العراق، ومادامت واشنطن متخصصة فى التعامل مع
القاعدة وأن القاعدة مجرمة فى القانونين الدولى والأمريكى، فهى الأحق باحتلال
كل مكان يظن أن القاعدة قد استقرت فيه. فى مصر عندما وقعت تفجيرات سيناء
الثلاثة فى أعوام ثلاثة متعاقبة فى نفس التوقيت. طابا- شرم الشيخ – دهب كان
واضحاً أنه الموساد، فأدى التنسيق الأمنى بين وزارة الداخلية المصرية وإسرائيل
إلى أن يصدر العادلى وزير الداخلية حينذاك بياناً مبكراً بناء على مشورة
إسرائيل بأن التفجير من عمل القاعدة، فلما أدرك العادلى أن هذا الاعتراف يعنى
أن مصر عاجزة عن حماية سيناء مما يبرر احتلال الناتو لها بزعم تأمين إسرائيل
تراجع عن هذا الاعتراف فى أقل ما ساعة. وفى غزة زعمت السلطة الفلسطينية
وإسرائيل أن القاعدة قد تسللت إلى غزة، حتى تعطى إسرائيل الذريعة لغزو غزة
لتخليصها من القاعدة، والمعلوم أن هذا الاتهام ظل يطارد حكومة غزة ضمن حملة
الضغط عليها لإسقاط حماس. وإذا كانت القاعدة فعلاً قد نذرت نفسها لمحاربة
اليهود كما تردد دائماً، فلماذا لم تتمكن من الإضرار بإسرائيل؟ ولماذا فرحت
إسرائيل كما تدعى بقتل بن لادن، وربما ادعت إسرائيل بعد ذلك أن الموساد هو الذى
قدم المعلومات التى أدت إلى قتله.
والطريف أن مقتل بن لادن، وبن لادن نفسه والأخبار والأشرطة وكل ما يتعلق به
صناعة أمريكية وتظاهر العالم كله بأنه يصدقها لدرجة أن قضية قتله فى باكستان لم
تعلم عنها السلطات الباكستانية شيئاً، فهل قتل فعلاً، أم قتل منذ مدة ولكن
اختارت واشنطن توقيت الإعلان.
على أية حال، فإن ضرر القاعدة لم يفارق المنطقة العربية ولم يمس المصالح
الأمريكية والإسرائيلية، كما أن القاعدة بدون بن لادن لن تندثر خاصة إذا صدق
الظن بأن القاعدة هى الموساد وإلا فليدلنا أحد على خدمة واحدة قدمتها هذه
القاعدة للإسلام والمسلمين.
المسرحية بين إسرائيل والولايات المتحدة تطلبت أن تهنئ ليفنى الشعب الأمريكى
وهذا يذكرنا بما فعله شارون عندما فضح نفسه فقد أعلن عن عملية الطائرة الثانية
قبل أن تنطلق، فأدان فى تصريح شهير ضرب برج التجارة العالمى بطائرتين رغم أن
الفارق الزمنى بين الأولى والثانية كان نصف ساعة تماماً، لهذا كان شارون يدخل
الرعب فى قلب بوش، وتمكن لخوف بوش أن يبوح شارون بالسر الرهيب ضد الشعب
الأمريكى الذى يدفع الضرائب لتمارس إسرائيل جرائمها ضد الفلسطنيين من أن يلجم
بوش ويحصل على مايريد، وكان آخر عطاءاته خطابات الضمان فى 14/4/2004 الشهيرة،
ولذلك لأمر ما شاء الله أن يبقى شارون حياً ولكنه عاجز عن الحركة والنطق ومن
يدرى فلعله ينطق بما دبره بليل مع شريكه بوش الصغير.
فمتى ينتهى مسلسل القاعدة وبن لادن من قاموس حياتنا بعد أن أصبح المسلسل مملاً
وحقائقه مكشوفة فماذا يضيرنا إن بقى بن لادن حياً أو ميتاً، المهم أن الإرهاب
يضرب بلادنا نحن وليس إسرائيل أو الولايات المتحدة.
|