|
عبد البارى
عطوان

اسرائيل تهدد
وايران تتحدى
عندما يقول السيد علي خامنئي المرشد
الاعلى للثورة الايرانية في خطبة الجمعة ان العقوبات الاقتصادية والحظر
النفطي لن يكون لها اي تأثير على اصرارنا على المضي قدما في مسارنا
النووي، فإن هذا يعني ان الآمال الامريكية، والغربية الاخرى، في
امكانية نجاح هذه العقوبات في دفع ايران الى التخلي عن طموحاتها
النووية مآلها الخيبة والفشل الذريع.
رسالة السيد خامنئي واضحة: نحن لا نخاف من الحرب، وان كنا لا نريدها،
ولكن اذا كتبت علينا فلا خيار امامنا غير الرد بما نملكه من امكانيات
عسكرية متوفرة لنا، وعليكم تحمل النتائج كاملة.
هذا التحدي الذي يأتي من القيادة الروحية الاعلى في ايران، ربما يأتي
ردا مباشرا على الاسرائيليين الذين بدأوا في قرع طبول الحرب، ومحاولة
تجنيد الولايات المتحدة الامريكية الى جانبهم، خاصة بعد ان ضمنوا
مساندة الكونغرس ، وقطاع من الرأي العام الامريكي، بفعل نفوذ اللوبي
اليهودي القوي.
هناك ثلاثة مؤشرات رئيسية عن احتمال توجيه ضربة اسرائيلية عسكرية وشيكة
الى البرامج النووية الايرانية، الى جانب مؤشرات اخرى اقل اهمية وان
كانت مكملة:
*الاول: ما ذكره الصحافي الامريكي ديفيد اغناطيوس في عموده في صحيفة 'الواشنطن
بوست' قبل يومين من ان ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي يشعر بقلق
بالغ من احتمال قيام اسرائيل بشن هجوم على ايران، في الفترة بين شهري
نيسان (ابريل) وحزيران (يونيو) المقبلين.
* الثاني: تأكيد ايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي بأن قواته لم تعد
قادرة على الانتظار لفترة طويلة، فالمشروع النووي الايراني يقترب من
النضج، وسيدخل الى دائرة الحصانة التي تمكن النظام من التحرك لاستكمال
هذا المشروع دون تشويش او عرقلة.
*الثالث: تصريحات الجنرال افيف كوفاخي رئيس المخابرات العسكرية
الاسرائيلية، ان ايران باتت قادرة على انتاج اربع قنابل نووية، وانها
حاولت تصنيع صاروخ يصل مداه الى عشرة آلاف كيلومتر لضرب الولايات
المتحدة.
مؤتمر هرتزيليا الاستراتيجي السنوي الذي يركز بالدرجة الاولى على
القضايا الأمنية، خاصة تلك المتعلقة باسرائيل، وتشارك فيه نخبة من
الخبراء اليهود والاسرائيليين من مختلف انحاء العالم، بالاضافة الى بعض
الخبراء العرب من قبيل التنويع والتطبيع، ركز معظم محاوره هذا العام
على الخطر النووي الايراني وكيفية مواجهته.
كون كوخلين الصحافي البريطاني الذي يكتب في صحيفة 'الديلي تلغراف'
البريطانية المحافظة، كان من بين الحاضرين لتغطية هذا الحدث. والسيد
كوخلين الذي اعرفه شخصيا، كان من ابرز الكتاب الممهدين للحرب على
العراق والداعمين لها، والف كتابا 'وثق' فيه اسلحة الدمار الشامل
الموجودة في حوزة الرئيس العراقي صدام حسين، ونشره قبل الحرب بأشهر
معدودة. السيد كوخلين قال في تقرير نشرته امس صحيفته 'ان كل التحضيرات
للعملية العسكرية ضد ايران اكتملت، وان لحظة البدء في الهجوم تنتظر
قرارا من كل من بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي، وايهود باراك
وزير الدفاع'.
' ' '
واذا وضعنا في اعتبارنا الغاء الولايات المتحدة واسرائيل مناورات
عسكرية مشتركة كانت مقررة في نيسان (ابريل) المقبل، وتدفق حاملات
الطائرات الامريكية والسفن الحربية البريطانية الى الخليج العربي، وسحب
امريكا جميع قواتها من العراق وتحويل جزء منها الى الكويت، وشراء كل من
المملكة العربية السعودية ودولة الامارات اسلحة امريكية بأكثر من 130
مليار دولار، واقامة الولايات المتحدة قاعدة بحرية عائمة قرب مضيق
هرمز، تتمركز فوقها قوات بحرية خاصة (مارينز) وزوارق سريعة، فإن الصورة
قد تبدو اكثر وضوحا.
الادارة الامريكية تعلن ليل نهار انها لا تريد الحرب في الخليج لانها
تخشى على مصالحها اولا، ولأنها لا تريدها في سنة انتخابات رئاسية
ثانيا، ولأنها لم تتعاف بعد من هزيمتها في العراق وما ترتب عليها من
خسائر بشرية ومادية كارثية، وتحاول تقليص خسائرها بالانسحاب من
افغانستان ثالثا.
هناك نظرية تستحق التأمل، وهي ان نتنياهو قد يتعمد شنّ حرب على ايران
قبل موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة في تشرين الثاني (نوفمبر) من اجل
الحيلولة دون فوز الرئيس باراك اوباما بولاية ثانية، لانه ربما يستغل
هذه الولاية للضغط على اسرائيل للانسحاب من الاراضي المحتلة، وفرض حل
الدولتين بطريقة او بأخرى.
ما نطرحه هو احتمالات غير مؤكدة، فالأسرار العسكرية ليست مثل المواقف
السياسية التي يتم تسريبها الى الصحف والصحافيين، ومن غير المستبعد
انها من قبيل الحروب النفسية، التي يلجأ اليها المتخاصمون كورقة ضغط،
او ادوات تضليل تسبق الحروب الحقيقية، ولكن ما هو شبه مؤكد بالنسبة
الينا، ان الولايات المتحدة واسرائيل لهما ربيعهما الخاص ايضا، وبمعنى
آخر تتطلعان الى تغيير النظام الايراني وبأسرع وقت ممكن قبل امتلاكه
اسلحة نووية يمكن ان يجعل هذه المهمة متعذرة.
ولا شك ان البرنامج النووي الايراني يشكل خطرا على اسرائيل والهيمنة
الامريكية على مستودع النفط والغاز الاضخم في العالم، ولكن امريكا
بالذات تعايشت مع الخطرين النوويين الصيني والروسي، وبعد ذلك الهندي
والباكستاني، وفوق كل هذا وذاك الكوري الشمالي. كما تعايش العرب
لاربعين عاما مع البرنامج النووي الاسرائيلي. ومن المفارقة انهم لا
يريدون التعايش مع اي برنامج نووي ايراني.
امريكا قد تنجح في تغيير النظام الايراني، مثلما نجحت في تغيير النظام
العراقي الجار في الغرب، والطالباني الافغاني في الشرق، وفوقهما النظام
الليبي، وجميع عمليات التغيير الثلاث هذه تمت بالقوة العسكرية، ولكن
السؤال هو حول ما يمكن ان يحدث بعد تغيير النظام الايراني من تبعات على
المنطقة بأسرها. الحرب في افغانستان استمرت عشر سنوات بعد تغيير نظام
طالبان، وها هي طالبان تفتح سفارات في الرياض والدوحة برعاية امريكية
تمهيدا لاعادة تسليمها السلطة في كابول، اما تغيير النظام في العراق
فقد دفع امراء الخليج الى البكاء ندما على صدام حسين ونظامه، بعد ان
اكتووا بتصاعد النفوذ الايراني في العراق.
' ' '
لا نريد ان نبالغ في قوة ايران العسكرية، ونسلم مسبقا انها دولة من
العالم الثالث تنتمي اسلحتها الى القرن العشرين، بينما اسلحة خصومها
تنتمي الى القرن الرابع والعشرين، ولكن ألم يكن حال حركة طالبان اكثر
سوءا، الم تكن اسلحتهم بدائية تنتمي الى مرحلة فجر الاسلام، وطائراتها
لا تطير، واذا طارت لا تعود الى قواعدها، لأنها تنفجر في الجو؟ فماذا
كانت النتيجة بعد عشر سنوات من غزو افغانستان؟
شن حرب على ايران قد يكون حلا للعديد من المشاكل والأزمات في المنطقة،
من بينها الأزمة السورية، والغطرسة الاسرائيلية، والاحتقان اللبناني،
وتخفيف الضغوط على ثورات الربيع العربي المعادية لامريكا واسرائيل،
ودحر فلول الانظمة السابقة.
لا نستغرب، بل لا نستبعد اطلاق 200 الف صاروخ على اسرائيل، مثلما حذر
رئيس جهاز الاستخبارات العسكري الاسرائيلي، من ايران ولبنان وسورية
وقطاع غزة، لأننا شاهدنا ومعنا العالم كله، اربعة آلاف صاروخ تسقط
كالمطر فوق رؤوس الاسرائيليين في حيفا وعكا وصفد الجليل، في حرب انتصار
المقاومة اللبنانية عام 2006.
اسرائيل تقرع طبول الحرب، والامام خامنئي قال اهلا بها في خطبة الجمعة،
وعلينا ان ننتظر لأننا لا نملك غير الانتظار، ولكن يحذونا الامل بان
النتائج ربما تكون مختلفة هذه المرة، والبقية لفهمكم
جولة ملاكمة على
الحلبة السورية
انتهت الجولة الاولى من 'الملاكمة بالكلمات' في قاعة مجلس
الامن الدولي فجر امس، بين طرفي الأزمة السورية بالتعادل بالنقاط، وان
كان المندوب السوري، بشار الجعفري، حظي بما لا يحلم به من اهتمام سياسي واعلامي بسبب استخدامه لمنبر الامم المتحدة لكسر العزلة الدولية
والعربية المفروضة على بلاده، فقد حظيت هذه الجولة ببث مباشر من معظم
القنوات العربية والعالمية.
ومن المفارقة الغريبة ان المندوب السوري حظي بمعاملة العضو الكامل في
المنظمة الدولية الاهم، ومجلس أمنها، بينما نظيره في الجامعة العربية
منبوذ، لا يحق له الاقتراب من المناقشات الدائرة بين وزراء خارجية
الدول العربية حول الأزمة السورية، ليس خوفا من المتظاهرين فقط، وانما
ايضا بسبب تجميد عضوية بلاده في هذه الجامعة التي كانت احد ابرز
مؤسسيها.
ربما من السابق لأوانه اصدار احكام مسبقة حاسمة على نتائج هذه
المداولات الأولية، خاصة ان تباعد المواقف، بل وحدّتها في بعض الأحيان،
قد يقودان الى استمرار انعقاد مجلس الامن، وتواصل المناقشات لعدة ايام
قادمة. فهناك مشروعان مطروحان على مائدة البحث، الاول مغربي يطالب
بتنحي الرئيس السوري بشار الاسد والتنازل عن صلاحياته لنائبه فاروق
الشرع، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، اي مشروع خليجي ببرنس مغربي، ومشروع
روسي يقبل بمعظم النقاط الواردة في المشروع العربي المغربي باستثناء
تنحي الرئيس السوري.
جميع الذين تحدثوا امام المجلس الاممي مساء امس الاول، بمن فيهم السيدة
هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية، اكدوا على استبعاد التدخل
العسكري، وضرورة التوصل الى حل سياسي للأزمة في سورية، الأمر الذي
سيصيب قطاعا عريضا من الشعب السوري، وبعض فصائل المعارضة في الخارج
'بخيبة امل'، لأن هؤلاء كانوا يطالبون بالتدخل العسكري على غرار ما حدث
في ليبيا، وضغطوا من اجل الذهاب الى مجلس الامن الدولي لتدويل الأزمة
سعيا لهذا الهدف، لإيمانهم الراسخ بأن هذا هو الطريق الأسرع لتغيير
النظام في سورية، ووضع حد لحلوله الأمنية الدموية.
النقطة الاخرى التي يمكن التوقف عندها تتمثل في صلابة الموقف الروسي،
حتى الآن على الاقل، في دعم النظام السوري، وحرصه على عدم الوقوع في
مصيدة امريكية جديدة، على غرار ما حدث في ليبيا، ولهذا عارض واعلن انه
سيعارض اي عقوبات يتم فرضها على سورية، يمكن ان تفسر بعد ذلك على انها
ادانة دولية للنظام يمكن ان تستخدم كضوء اخضر للتدخل العسكري، تماما
مثلما جرى توظيف فقرة 'حماية المدنيين' بكل وسيلة ممكنة لتدخل حلف
الناتو في ليبيا ونجاحه في تدمير كل مصادر قوة النظام العسكرية وقواعد
تأييده، مما ادى في نهاية المطاف الى سقوطه وتصفية قيادته جسديا.
' ' '
روسيا لم تكن وحيدة في موقفها هذا، وكانت مدعومة، مثلما شاهدنا في جلسة
امس الاول، بكل من الصين والهند وجنوب افريقيا، علاوة على ايران، وهذا
يعني ان هناك كتلة تقف ضد الحل العربي تضم دولتين تتمتعان بالعضوية
الكاملة في مجلس الامن، وبالتالي حق استخدام 'الفيتو'، علاوة على الهند
اكبر قوة اقليمية في آسيا، وجنوب افريقيا زعيمة القارة السوداء.
اي حل سياسي للأزمة السورية لا يمكن ان يتم الا من خلال امرين اساسيين،
الاول هو الحوار بين النظام السوري والمعارضة، والثاني توفير مخرج لائق
لرأس النظام في نهاية المطاف من خلال عملية سياسية انتخابيةن على غرار
ما حدث في اليمن. فمدة رئاسة الرئيس السوري تنتهي في عام 2014، اي بعد
عامين، ومن غير المستبعد ان تتمركز المناقشات في الغرف الجانبية لمجلس
الامن في الايام المقبلة حول هذه المسألة.
المعارضة السورية، او المجلس الوطني السوري خاصة، اعلنت انها لن تقبل
بأي حل لا يتضمن رحيل الرئيس الاسد، بينما يعارض النظام السوري اي
مبادرة تطيح برئيسه، وبطريقة مهينة، وهذا ما فعله جميع الرؤساء العرب
المخلوعين، مع فارق اساسي وهو ان معظم الثورات العربية كانت شعبية
سلمية، مثلما هو حال ثورات تونس ومصر واليمن، بينما دخلت الثورة
السورية مرحلة العسكرة بقوة، وامس اعلن الجيش السوري الحر سيطرته على
نصف الاراضي السورية، والأمر الآخر ان روسيا او حتى الولايات المتحدة
لم تشكل تكتلا لدعم هذه الثورات او معارضتها مثلما هو الحال في الثورة
السورية.
المعضلة الاكبر التي تواجه الجامعة العربية ومبادرتها تتمثل في
الانقسامات الكبيرة في صفوف المعارضة السورية في الخارج اولا، ثم بين
الخارج والداخل، وتكوين جسم واحد يحظى بثقة ودعم معظم اطياف المعارضة،
ان لم يكن كلها، للدخول في مفاوضات مع النظام في حال ايجاد صيغة لمعضلة
تنحي الرئيس، ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية بقيادة زعيم ووزراء معارضين من
الداخل والخارج، وما اكثر الباحثين عن الزعامة والتوزير في صفوف اهل
الداخل والخارج في سورية، بل في معظم الدول العربية.
الانتفاضة الشعبية السورية المطالبة بالتغيير الديمقراطي اقتربت من
دخول عامها الاول، دون ان تصاب بالضعف او الوهن، وهذا يحسب لأبناء
سورية المنخرطين فيها، والمطالبين بحقوق مشروعة في العدالة والكرامة
بعد اربعين عاما من الاذلال. كما ان النظام ما زال قويا في الوقت نفسه،
مدعوما بأجهزة امنية وقوات مسلحة تجلس فوق ترسانة ضخمة من الاسلحة.
' ' '
التغيير في سورية حتمي، والعودة الى الوراء مستحيلة، الامر الذي يتطلب
البحث بجدية في الحلول السياسية، لإنقاذ البلاد من هاوية الحرب الاهلية
الطائفية، او الانجرار الى مستنقع التقسيم والتفتيت. ومداولات مجلس
الامن الحالية، وان طالت، وتباينت فيها المواقف، قد تعطي الفرصة، او
صيغة لانقاذ ماء الوجه للجميع، النظام، المعارضة، النظام الرسمي العربي
وجامعته، والقوى العالمية المتصارعة فيما بينها، وتتخذ من المسألة
السورية احدى الذرائع لتصفية حساباتها مع بعضها البعض.
الشعب السوري خسر حتى الآن اكثر من سبعة آلاف من خيرة ابنائه، وربما
يتضاعف هذا الرقم عدة مرات اذا ما استمر عناد النظام والمضي قدما في
حلوله الامنية، او اذا استمرت المعارضة في تشرذمها ومواقف بعض اجنحتها
المتشددة.
ختاما نقول بان النظام السوري يخطئ كثيرا اذا اعتقد ان الشعب سيتعب
ويتوقف عن المطالبة بحقوقه المشروعة في التغيير، ويخطئ اكثر اذا اعتقد
انه يمكن ان يعتمد على قوى خارجية مثل روسيا، وليس على الشعب السوري،
للبقاء في الحكم.
مرة اخرى نقول ان سورية بحاجة الى الحكمة والعقل، بل والكثير منه، قبل
ان يعض الجميع اصابعهم ندما
سورية على طريق العراق
الحرب الاهلية الطائفية بدأت واستفحلت في سورية، في وقت
تتآكل فيه هيبة النظام وسيطرته على اطراف دمشق العاصمة، ومحافظات اخرى
مثل حمص وحماة وادلب وغيرها، ومثلما لم يستطع كل فقهاء السياسة
ومفكريها التكهن باندلاع ثورات الغضب الشعبي ضد الانظمة الديكتاتورية،
فإننا نتحدى هؤلاء، او غيرهم، او من يقفون خلفهم ان يحددوا لنا، او
يتنبأوا بما يمكن ان يحدث في سورية بعد عام او عامين، او حتى بعد شهر
من اليوم.
عندما تقوم جماعات علوية محسوبة على النظام بمهاجمة حي كرم الزيتون،
وتذبح اسرة من 14 شخصا، من بينهم خمسة اطفال اصغرهم لا يزيد عمره عن
ثمانية اشهر، فلن نستبعد ان تقوم مجموعات محسوبة على الطائفة السنية
بالهجوم على احياء علوية وتقتل بعض ابنائها كرد فعل انتقامي.
بعد عقود من التعايش تحت القمع ومصادرة الحريات، وانتهاك حقوق الانسان،
وتغوّل اجهزة النظام الامنية، ها نحن نفيق على انفراط العقد الاجتماعي
السوري، وإسدال الستار على مفهوم ينقرض بسرعة اسمه الوحدة الوطنية،
فالصبر له حدود، والقدرة على التحمل لها حدود ايضا.
سورية تنزلق الى الهاوية العراقية، حيث تتآكل الهوية الوطنية الجامعة،
لمصلحة الهويات الطائفية والمذهبية والعرقية، فمثلما يقول الرجل الاقوى
في العراق السيد نوري المالكي، رئيس الوزراء، انه شيعي اولا، وعراقي
ثانيا، اي انه يقدم المذهب على الهوية الوطنية، سنرى ابناء سورية في
المستقبل القريب يقدمون انفسهم بالطريقة نفسها، حيث الولاء للطائفة
والمذهب يتقدم على الولاء للوطن.
لنكن صرحاء ونعترف بأن الشرخ الطائفي في سورية يتسع بسرعة خرافية،
ويلعب النظام والمعارضة دورا كبيرا في هذه الكارثة، ويتقاسمان
المسؤولية كاملة، بمساعدة قوى خارجية على رأسها جامعة الدول العربية.
نحن لا نساوي هنا بين النظام والمعارضة، ولا يمكن ان نفعل ذلك،
فالمسؤولية الاكبر تقع على عاتق النظام الذي دفع بالبلاد الى هذه الهوة
بلا قاع، بعناده وغطرسته وتمترسه خلف الحلول الامنية الدموية، اعتقادا
منه انه يستطيع، بما يمتلكه من قوة، امام شعب ضعيف اعزل، ان يعيد عقارب
الساعة الى الوراء، وان ما كان يصلح في عام 1982 عندما قمع انتفاضة
حماة يمكن ان يصلح بعد ذلك بأربعين عاما تقريبا.
' ' '
سنخسر سورية مثلما خسرنا العراق، ومثلما نخسر ليبيا حاليا، حيث يمكن ان
تكون معظم الدول العربية في الايام المقبلة 'دولا فاشلة' تماما، تسودها
الفوضى، فوضى السلاح، فوضى الطوائف والمذاهب، وفوضى التشظي والتفتيت
الجغرافي.
تبادل اللوم بالمسؤولية، والانشغال به عن رؤية هذا المستقبل الكارثي،
هو هروب من المسؤولية، وتملص من تبعاتها، بل تواطؤ مع هذا المخطط
الاجرامي الذي يريد تمزيقنا كأمة، وكأبناء عقيدة واحدة، وتقديم الاحقاد
والنزعات الثأرية على العقل والتبصر.
نحن امة بلا حكماء، نقولها بكل مرارة وأسف، واذا كان هناك حكماء فلا
مكانة او احترام لهم، وان وجدوا فعلا، وارادوا ان يقولوا كلمة حق،
فالاتهامات بالتخوين والعمالة، والانحياز لهذا الطرف او ذاك جاهزة،
وسيوفها مشحوذة.
روسيا عندما تتمترس خلف النظام السوري، وتستخدم 'الفيتو' لمنع اي
عقوبات اقتصادية ضده، فإنها لا تفعل ذلك انطلاقا من مبدأ، وانما من
مصلحة استراتيجية، ولرفع سقف مطالبها، واذا توصلت الى السعر المناسب في
المساومة علينا في سوق النخاسة العالمي، فستبيع سورية ونظامها، مثلما
باعت النظامين العراقي والليبي.
والولايات المتحدة عندما تتبنى مبادرة الجامعة العربية وتدعمها، فإنها
لا تفعل ذلك انتصارا لثورة الشعب السوري المشروعة، وانما انتصارا
لاسرائيل ومشروعها الازلي في اذلال الأمة العربية وتسهيل الهيمنة
الامريكية على ثرواتها.
النظام السوري مجرم ارتكب مجازر ولا يزال في حق شعبه الثائر على الظلم
والاضطهاد والفساد في ابشع صوره واشكاله، نقولها لكل اولئك الذين ركبوا
موجة الثورة متأخرين جدا، وارادوا سرقتها من شهدائها، نحن الذين عارضنا
هذا النظام منذ عهد عرابه الاكبر حافظ الاسد، وتعرضنا بسبب ذلك للتهديد
والمنع والحجب، ولكن ما يهمنا الآن هو انقاذ سورية وليس انقاذ النظام،
انقاذها من الحرب الاهلية الدموية، والتفتيت الجغرافي، وتحويلها الى
دويلات صغيرة متناحرة.
' ' '
الرئيس بشار الاسد، اذا كان يحب سورية فعلا، عليه ان يقدم تنازلات
حقيقية لشعبه، او القسم الثائر منه، وان يثبت جديته في هذا المضمار،
وعليه ان يتذكر، ان زمن الاضطهاد والفساد، وارهاب المواطن السوري من
قبل اجهزة المخابرات قد ولى الى غير رجعة، فلا مراجعة بعد اليوم لهذا
الفرع او ذاك، ولا تعذيب في الاقبية السفلية اللزجة بدماء الضحايا من
الشرفاء كما ان المعارضة السورية بكل اطيافها مطالبة بالتواضع قليلا،
والكف عن التهديد بالاستعانة بالاجنبي.
الجامعة العربية الفاشلة دائما في الانتصار لقضايا الامة المصيرية في
وجه الاستعمارين الاسرائيلي والامريكي، بل والمتواطئة معهما دائما،
سواء بصمتها او الدعم غير المباشر للأعداء، عليها ان تدرك جيدا انه في
الوقت الذي يتباكى فيه صقورها على ضياع العراق، وسقوطه في سلة النفوذ
الايراني، سيرتكبون الخطأ نفسه، بل الكارثة نفسها في سورية، بتدويلهم
للازمة والاستعانة بالقوات الاجنبية، مثلما فعلوا في العراق وليبيا.
نحن نعيش المرحلة الاسوأ في تاريخنا هذه الأيام، فمراكز القرار العربي
تتعرض للتدمير والتفتيت، ونحن نشير هنا الى العراق وسورية، وندعو الله
ان يحمي مصر من مؤامرات من يدّعون الحرص عليها في العلن ويتآمرون
لاجهاض ثورتها في السر، وفي الغرف المغلقة.
الشعب السوري الذي قدم ستة آلاف شهيد يستحق نظاما ديمقراطيا عادلا،
والنظام السوري الذي اوصل بلاده الى هذه الكارثة مطالب بالاستماع الى
صرخات هذا الشعب وأنين ضحاياه، لانه لن ينتصر على هذا الشعب الذي لم
يتردد لحظة في تقديم الدم على مدى الاشهر العشرة الماضية لاستعادة
كرامته وحريته.
يرتعبون منهم حتى فى قبورهم
من المؤكد ان السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق ليس من
اتباع المذهب الوهابي الذي يحرم زيارة الاضرحة، فأثناء زيارته الى
واشنطن قال في تصريحات صحافية انه شيعي اولا، وعراقي ثانيا، وعربي
ثالثا، وعضو في حزب الدعوة رابعا، في اجابة عن سؤال حول كيفية تعريفه
لنفسه.
بالامس اصدر السيد المالكي فرمانا يمنع زيارة قبر الرئيس الراحل صدام
حسين وقبور ولديه عدي وقصي وحفيده مصطفى، المدفونين في مدينة تكريت
مسقط رؤوسهم، وابلغ افراد عشيرتهم بهذا القرار، وارسلت حكومته قوات امن
لتطويق الاضرحة، ومنع اي زوار من الوصول اليها.
لا نعرف لماذا يخاف السيد المالكي، وهو الذي جاء الى الحكم لاقامة نظام
ديمقراطي يحترم الحريات العامة والشخصية، ومارس على مدى السنوات التسع
الماضية عملية اجتثاث شرسة ودموية للنظام السابق، وكل منتسبي حزب
البعث، الذي كان يحكم باسمه، لا نعرف لماذا يخاف رجل مثله من هياكل
عظمية مدفونة تحت الارض، وهو الذي يملك نصف مليون جندي ورجل امن ويحظى
بدعم امريكا وايران معا؟
الرئيس صدام حسين اعدم، ومن وقع قرار تنفيذ اعدامه السيد المالكي نفسه،
بعد محاكمة مزورة، وقامت حكومته بتسليم جثمانه الى شيخ عشيرته من اجل
دفنها، فلماذا يمنع ذووه، او محبوه، من زيارته حتى لو اختلفوا معه في
الرأي ؟ أليس الف باء الديمقراطية، التي يتباهى بها العراق الجديد
وحكامه احترام الرأي الآخر، ومشاعر قطاع عريض من مواطنيه؟ ثم ماذا يضير
السيد المالكي لو زار افراد من عشيرة صدام او اقاربه قبره، وهم الذين
فعلوا ويفعلون ذلك منذ سنوات، هل ستقوم القيامة، ام ستتفجر ثورة في
العراق؟
الحاكم القوي العادل الواثق من نفسه، وحب الشعب له، لا يخاف من الاضرحة
وساكنيها، ولا يخشى انصارهم، وافراد عشائرهم، ولكن يبدو ان السيد
المالكي ليس من طينة هؤلاء، وما زالت تسيطر عليه عقدة الخوف، وتتحكم
بقراراته، اليس هو من يطارد السيد طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي
ويسعى لاعتقاله، اليس هو من افرغ العملية السياسية من كل معانيها وابعد
وزراء الكتلة العراقية التي يتزعمها خصمه اياد علاوي، وكل من يختلفون
معه في طريقة ادارته للبلاد، ومن منطلقات طائفية في معظم الاحيان؟
امر غريب جدا لا بد من التوقف عنده، وهو ان امريكا وحلفاءها، الذين
ثبتت اركانهم في قمة السلطة، بعد ان ضمنت تدفق النفط، يجمعهم قاسم
مشترك، وينتمون الى مدرسة الرعب من ضحاياهم نفسها حتى بعد اغتيالهم
والتمثيل بجثثهم في معظم الاحيان تحت عناوين الديمقراطية واحترام حقوق
الانسان.
' ' '
فها هي امريكا القوة الاعظم في التاريخ تخشى من جثمان الشيخ اسامة بن
لادن، زعيم تنظيم 'القاعدة' وتقرر 'دفنه' في البحر، تحت ذريعة منع تحول
قبره الى مزار لانصاره ومعتنقي فكر تنظيمه الاسلامي المتشدد، والاكثر
من ذلك انها ما زالت تفرض الاعتقال القسري على زوجاته الثلاث وابنائه
وبنات، وتمنعهم من الحديث الى اجهزة الاعلام، خشية كشفهم كيفية اغتياله
وبما يتناقض مع الرواية الامريكية المفبركة، وحتى لا يعرف الرأي العام
الاسلامي الحقيقة كاملة من كل جوانبها. فمن المؤسف ان هذه الادارة التي
تتباهى بهذا الانجاز تدعي انها تقود العالم الحر، وان رسالتها نشر
الديمقراطية وحرية التعبير واحترام حقوق الانسان ومعتقداته، وهناك
قانون ثابت فيها ينص على حرية انتقال المعلومات دون عوائق وعدم حجبها
عمن يطلبها.
لم يكن من قبيل الصدفة ان يحذو حذوها (اي امريكا) حلفاؤها الجدد في
ليبيا في الخوف من الموتى، فقد حرصوا على دفن جثمان الزعيم الليبي معمر
القذافي وابنه المعتصم، ووزير دفاعه ابو بكر يونس جابر في مكان مجهول
في قلب الصحراء الليبية، بعد التمثيل بجثثهم والاعتداء عليها، اوبعضها،
جنسيا، واقسم من نفذوا عملية الدفن في ليلة ظلماء ان لا يكشفوا السير
مهما كانت الظروف والضغوط، وكأن هذا الكشف سيهدد مستقبل ليبيا وامنها
ووحدتها الترابية.
الحكام الجدد الذين تنصّبهم امريكا، او يأتون عبر مشاريعها الديمقراطية
المدعومة بآلتها العسكرية الجبارة، نتوقع ان يكونوا مختلفين عمن سبقوهم
من الديكتاتوريين من حيث العدالة، والتسامح، والترفع عن النزعات
الثأرية، واحترام حرمة الموت والاموات، مهما كانت جرائمهم، حتى يقدموا
نموذجا مشرفا يؤكد لنا انهم يفتحون صفحة جديدة، بل مناقضة، لكل صفحات
من سبقوهم من الديكتاتوريين، ولكن ما نراه حاليا مناقض لذلك تماما،
نقولها وفي حلوقنا مرارة.
تعالوا نلقي نظرة سريعة على احوال البلدان التي 'حررتها'، او غيرت
انظمتها القوات الامريكية، سواء بشكل مباشر، مثلما حصل في العراق، او
عن طريق حلف الناتو، وحاملات طائراته، مثلما حدث في ليبيا، او في
افغانستان المحتلة منذ عشر سنوات.
بالامس اصدرت منظمة 'هيومان رايتس ووتش' الامريكية تقريرا اكدت فيه ان
العراق يعود الى الاستبداد، وفي طريقة للتحول الى دولة بوليسية ان لم
يكن قد تحول فعلا، حيث يقمع النظام الحالي بقسوة حرية التعبير والتجمع،
ويمارس الترهيب واحتجاز الناشطين والصحافيين، ويقيم سجونا سرية يمارس
فيها التعذيب كسياسة رسمية.
وبالامس ايضا خرج علينا المستشار مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس
الانتقالي الليبي بتصريحات حذر فيها من انزلاق بلاده الى هاوية بلا
قاع، بعد ان اقتحم محتجون مقره في بنغازي وحطموه احتجاجا على فشل
الحكومة، وتدهور الاوضاع الامنية وعدم توفير العلاج الكريم للجرحى،
وعدم تطبيق الشريعة الاسلامية، ولولا تدخل كتائب امنية بسرعة لما نجا
المستشار من غضبة الثوار الجدد على نظام حكمه ومجموعة المتسلقين
الانتهازيين الملتفين حوله، حسب توصفهم، وقبلها بيومين حدث الشيء نفسه
لنائبه عبد الحفيظ غوقة في جامعة بنغازي حيث طرده الطلاب شر طردة.
' ' '
ليبيا غابة بنادق، واصبحت مرتعا للميليشيات المتقاتلة، والجماعات
الاسلامية المتشددة، ويكفي التذكير بان تنظيم 'القاعدة' الذي حرص اعضاء
المجلس الانتقالي على نفي وجوده في بلادهم قد اختطف محافظا جزائريا في
وضح النهار، واقتاده ومرافقيه الى الاراضي الليبية للمساومة عليه
للافراج عن معتقلين من انصاره، اي تنظيم القاعدة، في السجون الجزائرية،
ولا نعرف تفاصيل الصفقة التي ادت الى الافراج عنه.
هذا الكلام لن يعجب الكثيرين، او بالاحرى سيغضبهم في زمن التضليل
والتعمية على الحقائق، تماما مثلما لم يعجب غيرهم كلام مماثل حول خطورة
الاحتلال الامريكي للعراق والنتائج الاستراتيجية الكارثية التي ستترتب
عليه، ولكن الحقيقة لا بد ان تقال، اذا اردنا ان ننهض ببلداننا ونقيم
انظمة ديمقراطية حقيقية، تقود الى النهضة الشاملة التي تتطلع اليها
شعوب المنطقة، وتحررنا من الاستعباد الامريكي.
من يخاف من القبور وساكنيها لا يمكن ان يؤسس لنظام ديمقراطي يقوم على
المساواة والعدالة والحريات بأشكالها كافة، ويحقق لمواطنيه ما يتطلعون
اليه من تقدم ورخاء اقتصادي، وتعليم متقدم، ونظام قضائي مستقل، وشفافية
مطلقة، ومحاسبة مدعومة بالقانون والبرلمانات الحرة المنتخبة.
لسنا من زوار القبور والاضرحة، والاستثناء الوحيد هو قبر الرسول
محمد(ص)، وصحابته الكرام، ولم نكن يوما، ولن نكون، معجبين
بالديكتاتوريين وانظمتهم القمعية، ولكننا كنا، وسنظل، ضد مشاريع
العربدة والهيمنة الامريكية التي تريد سلب خيرات بلادنا، وتحويلنا الى
سبي للاسرائيليين ، ولهذا وقفنا دائما في الخندق المقابل لهذه
المشاريع، ومن يتواطأ معها.
رسالة من مضيق هرمز
اكتب هذا المقال من مسقط التي تقع على بعد كيلومترات من
مضيق هرمز، النقطة الاكثر سخونة في العالم حاليا، ومحور مواجهة عسكرية
محتملة بين الولايات المتحدة الامريكية وايران.
الاحداث تتلاحق بسرعة، والاحتقـــان يبحـــث عن المفجّر، او الشرارة،
مثلـــما ذكـــر احد المسؤولين العمــانيين الكبــار، الذي لم يخـــف
قلقه من امكانـــية تطور الحرب الكلامية والتهديدات المتصاعدة الى
مواجهات دموية، تجر المنطقة والعالم بأسره الى كارثة.
مسؤول عماني آخر ذهب الى ما هو ابعد من ذلك عندما اكد ان احتمالات
الحرب باتت اكبر كثيرا من احتمالات اللاحرب، للتعاطي مع الأزمة
المتفاقمة، وتنبأ ان الخليج قد يموت عطشا في اضعف الحالات اذا ما
اندلعت الحرب بفعل 'خطأ ما'، او اقدام ايران على تنفيذ تهديداتها
بإغلاق المضيق الذي يمر عبره اكثر من 17 مليون برميل نفط يوميا، اي ثلث
صادرات العالم.
القلق له ما يبرره، فاحتمالات فرض حظر نفطي على ايران باتت شبه مؤكدة
في اجتماع وزراء خارجية اوروبا المقبل، في الثلث الاخير من هذا الشهر.
والتهديدات الايرانية بضرب حاملات الطائرات الامريكية التي تتدفق الى
المنطقة يمكن ان تترجم عمليا، لان الحظر النفطي سيكون بمثابة اعلان
حرب، و'قطع الأرزاق من قطع الاعناق'، مثلما قال الرئيس العراقي صدام
حسين قبل ان يرسل قواته لاجتياح الكويت بعد تجويع العراقيين من خلال
سرقة نفطهم، واغراق الاسواق بكميات اضافية منه، والتي ادت الى هبوط
أسعاره الى اقل من عشرة دولارات للبرميل.
ايران تعرف جيدا انها لا تستطيع مضاهاة الولايات المتحدة الامريكية
عسكريا، ولكنها تستطيع الرد على محاولات خنقها واذلالها، من خلال
سلاحها الاقوى وهو ضرب الاقتصاد الغربي في مقتله، اي اغلاق مضيق هرمز،
او تهديد تدفق النفط عبره، مما يؤدي الى ارتفاع اسعاره الى مئتي دولار
للبرميل، اي ضعف سعره الحالي، ورفع قيمة رسوم التأمين على ناقلاته بسبب
زيادة المخاطر، في مثل هذا الوقت الذي يواجه فيه الغرب ازمة اقتصادية
طاحنة.
الايرانيون ليسو اغبياء بحيث لا يدركون انهم يواجهون حربا على اكثر من
جبهة بدأت فعلا، احد اسلحتها تجفيف مصادر الدخل الايرانية من خلال
العقوبات الاقتصادية (منع التعامل مع المصرف المركزي) والحظر النفطي
(80' من دخل ايراني من العملات الصعبة مصدره العوائد النفطية)، وبما
يؤدي الى زيادة معدلات التضخم، وانهيار العملة الوطنية الريال (خسر
اكثر من 40 في المئة من قيمته في الاسبوعين الماضيين)، مما يجعل ايران
غير قادرة على تلبية احتياجات 72 مليون نسمة، تعداد سكانها، ومساعدة
حلفائها في دمشق حيث يواجه النظام السوري ثورة داخلية تهدف الى تغييره،
وفي لبنان حيث يواجه حزب الله احتمالات حرب طائفية داخلية، وهجوم
اسرائيلي.
' ' '
ايران واجهت ظروفا مماثلة في الثمانينات اثناء الحرب مع العراق، وحاولت
اغلاق المضيق، وتعطيل الملاحة فيه، واطلقت عشرات الالغام البحرية، وصل
بعضها الى البحر الاحمر، مما خلق ازمة عالمية، اضطرت الولايات المتحدة
الى التدخل لحماية ناقلات النفط الكويتية في حينها. المخطط الايراني لم
ينجح في اغلاق المضيق، ولكنه اربك العالم، ورفع اسعار النفط. ايران
الثمانينات التي كانت تملك قوارب مطاطية فقط غير ايران العقد الثاني من
القرن الواحد والعشرين، فهي تملك الصواريخ والقوارب السريعة،
والغواصات، وباستطاعتها اغلاق المضيق لأيام، ان لم يكن لأسابيع، وهذا
يكفي لهز الاقتصاد العالمي.
بعض المسؤولين الخليجيين يلجأون الى طمأنة مواطنيهم من خلال التقليل من
احتمالات حرب يقولون ان لا احد يريدها ، ويؤكدون ان التهديدات
الايرانية هذه ما هي الا مناورة لتخويف الغرب، على امل صرف نظرهم عن
مسألة الحظر النفطي، ويقولون ان صانع السجاد الايراني الذي يغزل سجادته
لأكثر من عام، ثم يحملها على كتفه طائفا على كل محلات تجار السجاد
للحصول على السعر الافضل، لا يمكنه وهو الصبور، ان يتهور ويدخل في حرب
مدمرة.
صانع السجاد الايراني صبور فعلا، وقد يضبط اعصابه، ويسيطر على
انفعالاته، ولكن عندما تصل الاستفزازات الامريكية والاسرائيلية الى
ذروتها، وتستهدف اهانته وهز صورته من خلال تنفيذ عمليات اغتيال لعلمائه
النوويين وسط طهران، الواحد تلو الآخر، وتأليب الاقليات العرقية ضده،
وتجويع مواطنيه، فإن صبره ينفد، وضبط النفس يكون مقدمة للهلاك او الموت
البطيء.
ايران مستهدفة امريكيا واسرائيليا لسببين رئيسيين، الاول محاولتها
امتلاك اسلحة نووية تحقق التوازن مع اسرائيل، والثاني التحول الى قوة
اقليمية عظمى تهدد الهيمنة الامريكية في منطقة الخليج التي يوجد فيها
ثلثا احتياطات النفط في العالم، وتخلق موضع قدم لأعداء واشنطن فيها، اي
الخليج، مثل الصين وروسيا والهند.
الصراع الامريكي مع ايران يمكن ان يتوقف فورا اذا تخلت ايران عن
طموحاتها النووية، وتصالحت مع اسرائيل، ولكن ايران لا تريد حتى الآن ان
تتبنى ايا من الخيارين، منفردين او مجتمعين، وتستفيد من تجربة الزعيم
الليبي معمر القذافي، والزعيم العراقي صدام حسين، فمجرد ان تخليا عن
طموحاتهما النووية، ودمرا اسلحة الدمار الشامل في حوزتيهما تعرض
بلداهما للغزو، ونظاماهما للتغيير عبر التدخل العسكري.
' ' '
الجنرال بني غانتس رئيس هيئة اركان الجيش الاسرائيلي قال في تصريحات
صحافية ان العام الحالي 2012 سيكون عاما حاسما بالنسبة الى ايران، وهو
لا ينطق عن هوى، فمن يزور منطقة مضيق هرمز ويرى تدفق السفن الحربية
وحاملات الطائرات اليها، والجنرالات وقادة الجيوش ووزراء الدفاع الى
عواصمها، يدرك ان احتمالات الحرب اكثر من احتمالات السلام فعلا.
شرارة الربيع العربي انطلقت من بوزيد، وحرب حزيران عام 1967 تفجرت بعد
اغلاق مضائق تيران في وجه السفن الاسرائيلية، وقبل هذا وذاك انفجرت
الحرب العالمية الاولى بفعل اغتيال دوق نمساوي. فالله وحده يعلم من اين
ستأتي الشرارة التي قد تشعل حرب الخليج الثانية او الثالثة او الرابعة.
مسؤول خليجي لا استطيع ذكر اسمه، قال لي وعلامات الحزن على وجهه، يا
سيدي ماذا سنفعل لو ارسلت ايران زوارق انتحارية لتفجير محطات التحلية
التي يعتمد عليها 90' من السكان في المنطقة؟ فقط تفجير معامل التحلية
وتموت المنطقة عطشا.
ذهبت بعيدا جدا وانا اتأمل كلامه هذا، ولكنني افقت على حقيقة ان امريكا
لا تشاور دول الخليج حول مشاريعها وخططها، وان شاورتها لا تستطيع هذه
الدول الاعتراض، ولم يكن من قبيل الصدفة ان تؤكــد وثائق بريطانية جرى
الكشف عنها مع مطلع هذا العام ان اسرائيل لم تتشاور مع امريكا عندما
هاجمت مفاعل تموز العراقي النووي عام 1981.
الخليج ربما يعاني من العطش والخلايا النائمة، اما اسرائيل فقد تعاني
مما هو اخطر من ذلك بكثير، فحائك السجاد الايراني قد يثأر لكرامته
الوطنية والشخصية ويقرر الانتقام لاغتيال علمائه، واختراق امنه القومي،
ومحاولات تجويع شعبه.
الرئيس الباكستاني علي بوتو قال ان الشعب الباكستاني سيأكل العشب ولن
يتخلى عن طموحاته لامتلاك السلاح النووي، وهكذا كان، والايرانيون ربما
يكون هذا خيارهم في نهاية المطاف، والله اعلم.
اشعال فتيل الحرب ربما امر سهل، لكن التحكم بنتائجها هو الامر الصعب او
شبه المستحيل، ولا يخامرنا شك في انه لا مقارنة بين القوتين الامريكية
والايرانية، فأمريكا دولة عظمى، وايران احدى دول العالم الثالث، ولكن
هل قرأت امريكا التاريخ جيدا، هل يعرف خبراؤها ان الحرب بين الصفويين
في ايران والامبراطورية العثمانية قد استمرت اربعين عاما؟
خطاب حافل
بالتهديدات
كسر الرئيس السوري بشار الاسد تقليدا بارزا في الثورات العربية
عندما القى خطابه الرابع يوم امس، الذي استغرق قرابة الساعتين، دون ان
يتضمن اي مفاجآت جديدة، وان كان البعض يعتبر ان اضافته لأولوية محاربة
الارهاب، جنبا الى جنب مع مواجهة المؤامرة الخارجية، هي خريطة طريق
لمزيد من اعمال العنف والقتل في الاسابيع والاشهر المقبلة.
الرئيس بشار الاسد أراد ارسال رسالة واضحة الى السوريين والعالم بأسره،
مفادها ان استتباب الامن ومحاربة 'الارهاب' يتقدمان على كل شيء، فلا
اصلاح حقيقيا، ولا مصالحة وطنية، قبل تحقيق هذين الهدفين.
الانتفاضة السورية المطالبة بالتغيير الديمقراطي توشك ان تكمل شهرها
العاشر، والتطورات على الارض تؤكد ان البلاد تنزلق الى حرب اهلية
طائفية، مما يعني ان معركة النظام للقضاء على الارهاب والمؤامرة
الخارجية قد تطول لأشهر، وربما لسنوات، اذا وضعنا في اعتبارنا ان
المؤشر البياني لأحداث العنف ومواجهات سفك الدماء في تصاعد مستمر.
خطاب الرئيس بشار الاسد الرابع جاء مختلفا عن خطابيه الاول والثاني،
اللذين تحدث فيهما عن الاصلاحات، والغاء حالة الطوارئ، واطلاق الحريات
الاعلامية والتعددية السياسية، حيث فتح النار بقوة على الجميع دون اي
استثناء، فتح النار على الجامعة العربية، وعلى دول الخليج وفضائياتها
المضللة، وشكك في عروبة الجميع تقريبا، بحيث لم يترك شعرة معاوية مع
احد.
هل فتح النار، وبهذه الشراسة هو دليل قوة ام دليل ضعف؟ هناك من يقول ان
الرجل يعيش حالة عزلة في ظل ازمة اقتصادية طاحنة بدأت تتفاقم بفعل
الحصار المفروض من قبل الولايات المتحدة واوروبا وبعض الدول العربية،
وزاد من تفاقمها ان الحليف الايراني القوي الذي يمكن ان يكون بديلا عن
العرب، وعنصرا مساعدا لكسر الحصار، يعيش ظروفا اقتصادية صعبة بسبب
عقوبات امريكية، ويمكن ان يزداد وضعه سوءا اذا ما فرضت دول الاتحاد
الاوروبي حظرا على صادرات النفط الايرانية.
' ' '
في المقابل يرى البعض الآخر ان الرئيس الاسد كان يعكس في خطابه حالة من
الثقة بالنفس، وايحاء بأن نظامه تجاوز مراحل عديدة من الأزمة، وبات
اكثر قوة بفضل الدعم الروسي ـ الصيني اولا، ووصول حاملات طائرات وسفن
روسية الى ميناء طرطوس، لتأكيد هذا الدعم، وفشل مشاريع التدويل التي
هددت بها الجامعة العربية، والانقسامات الخطيرة في صفوف المعارضة
السورية، والخارجية منها على وجه الخصوص.
لا نجادل مطلقا بأن الرئيس السوري كان اكثر تماسكا وثقة بالنفس،
بالمقارنة مع خطاباته السابقة التي كشفت عن ارتباكات لم يستطع اخفاءها،
ولكن مواصلة الاعتماد على الحلول الامنية الدموية، ودون ان تتوازى مع
حركة سياسية نشطة للبحث عن مخارج، ودبلوماسية ذكية لكسب بعض العرب
المترددين وتحييد او تقليص عداء المتشددين، فإن هذه الثقة قد تتآكل لأن
حجم المؤامرة الخارجية التي يتحدث عنها الرئيس الاسد كبير، والمتآمرون
المتورطون فيها يتمتعون بنفس طويل، ويملكون المال والكثير منه، ويضعون
ايديهم في مياه باردة.
فإذا كان النظام السوري يشعر بالقوة والصلابة هذه الايام بفعل بعض
النجاحات الامنية التي حققها من خلال قبضته القوية، فإن هذا هو الوقت
الأنسب بالنسبة اليه لتقديم التنازلات لشعبه من موقع القوة، وليس من
موقع الضعف، والبحث بجدية عن حلول سياسية للخروج من الازمة.
الرئيس السوري يعترف بان المعارضة ترفض في معظمها الجلوس الى مائدة
الحوار معه، والمشاركة في حكومة وحدة وطنية، ولكنه لم يقل لماذا تتخذ
هذا الموقف الرافض، والاجابة بسيطة وهي عدم الثقة بجدية الحوار،
والتزام النظام السوري بتطبيق ما يتم الاتفاق عليه في نهايته من خطوات
عملية، ومن المؤكد ان هذا الرفض سيزداد بعد الاغراق في اطلاق التهديدات
بسحق الانتفاضة، لأنها تعني اضعاف المناعة الامنية، وتخلق الاجواء
الملائمة لتسلل الارهاب واتساع ضرباته بالتالي.
ثم كيف يمكن ان تأتي المعارضة الى مائدة الحوار مع نظام يخونها، ويتحدث
عن ارتباطاتها بقوى خارجية معادية وتشارك في تنفيذ مخططاتها، وكيف يقول
الرئيس بشار انه مستعد للحوار حتى مع المتورطين في مواجهات حماة عام
،1982 أي الاخوان المسلمين، ثم يصفهم في آخر الخطاب بأنهم اخوان
الشياطين؟
' ' '
النظام السوري بحاجة الى وقفة تأمل ومراجعة خطابه، ومن ثم سياساته
الداخلية والخارجية، فالمرونة في التعاطي مع وفد المراقبين العرب
وبروتوكولهم اعطته مساحة لالتقاط الانفاس، وارباك الجامعة ولجنة
متابعتها، ولكن هذه المرونة لم تدم طويلا، وشاهدنا بعض هؤلاء المراقبين
يتعرضون للاعتداء من قبل جماعات محسوبة على النظام بطريقة غير لائقة
وهمجية، الامر الذي نسف العديد من النجاحات الدبلوماسية التي انجزتها
هذه المرونة.
نتفق مع الرئيس الاسد بأن العرب لم يقفوا مع سورية طوال السنوات العشر
الماضية، بل تآمر بعضهم ضدها، ولكنـــهم وقفــوا معها طوال الثلاثين
عاما التي سبقتها، فماذا حقق النظام السوري من اصلاحات سياسية
واقتصادية طوال تلك السنوات، حيث كانت الاوضاع مستقرة نسبيا، وكان
المثلث السوري ـ المصري ـ السعودي يشكل تحالفا اقليميا يحكم المنطقة؟.
نريد التذكير بان تولي حزب العدالة والتنمية التركي الحكم جعل تركيا
القوة الاقتصادية السابعة عشرة على مستوى العالم في عشر سنوات، اما
الرئيس البرازيلي لولا دي سيلفا فقد جعل من الــــبرازيل القـــوة
الاقتصـــادية الرابعة على مستوى العالم في الفــــترة نفســها، وهو
الذي لا يحمـــل شــهادة جامعية، وكان ينتمي الى أســـرة صغيرة لا تملك
ثلاجة او حتى جهاز تلفزة.
نطالب المعارضة السورية الخارجية، او بعض مكوناتها على وجه الخصوص،
بشيء من التواضع، فتهجم البعض على الجامعة العربية، والتلويح بسيف
التدويل، وكأن حاملات الطائرات الامريكية مستعدة للتوجه الى شواطئ
اللاذقية وطرطوس وبانياس بمجرد اشارة منها، اي المعارضة، لا يخدمان
استراتيجيتها ولا يقربانها من تحقيق اهدافها.
الرئيس رجب طيب اردوغان كان مصيبا عندما قال ان سورية تنزلق الى حرب
اهلية طائفية مدمرة قد تفجر المنطقة بأسرها، ومن المؤسف ان هناك دولا
عربية واجنبية تعمل على تأجيج هذه الحرب بالمال والسلاح، ومن المؤسف ان
النظام السوري باستمراره في توجهاته الاحادية باعتماد الحلول الامنية
فقط، والتهجم على الجميع، والتشكيك في عروبة معظم العرب، والاستمرار في
حالة الانكار والعناد، والتغول في سفك الدماء، يساهم بتسهيل مهمة
هؤلاء.
المخرج من الأزمة السورية هو الحل السياسي لان البديل كارثي للنظام
والمعارضة معا، وللشعب السوري الذي سيكون الضحية الاكبر في نهاية
المطاف
اشعر بالتفاؤل.. وهذه اسبابي
فاجأت الثورات الشعبية العربية التي انطلقت من مدينة سيدي بوزيد
في الوسط التونسي المهمش الكثير من المراقبين ومراكز الابحاث العربية
والاجنبية، بل وجميع اجهزة الاستخبارات العالمية، ولكن مفاجآت العام
الجديد قد تكون اكثر سهولة لمن يحاول قراءة ما بين سطورها، لرسم صورة
لتطورات الاحداث المتوقعة فيها.
الاسلام السياسي هو العنوان الابرز، وكذلك المؤامرات التي تريد وضع
العصي في دواليب حكوماته بعد فوزه الكاسح في اول انتخابات ديمقراطية
شفافة تجري على انقاض انظمة ديكتاتورية قمعية فاسدة.
عمليات التشكيك بفرص نجاح هذه الحكومات بدأت حتى قبل تشكيلها، وممارسة
عملها، فهناك من يقول انها لا تملك حلولا للازمات الاقتصادية الطاحنة،
وانما شعارات فضفاضة، ووعودا انشائية بحل مشاكل البطالة في اوساط
الشباب، بينما قررت الدول الغربية المحبة للديمقراطية حسب ادبياتها وقف
مساعداتها المالية لهذه الحكومات او ربطها بشروط تعجيزية من الصعب
القبول بها.
حتى الدول العربية النفطية المتخمة بالعوائد، والصناديق الاستثمارية
السيادية، تتلكأ عن تقديم اي دعم مالي، وربما بايعاز من الولايات
المتحدة الامريكية، لخنق هذه التجارب الديمقراطية الوليدة المنبثقة من
صناديق الاقتراع، ولم يكن من قبيل الصدفة ان يعلن الدكتور كمال
الجنزوري رئيس الحكومة المصرية الجديدة انه لم يصل الى الخزينة المصرية
من مساعدات غير مليار دولار فقط، بينما هربت في المقابل تسعة مليارات.
سمعنا عن عروض خليجية باكثر من عشرة مليارات دولار لمساعدة الشقيقة
الكبرى، ولكن هذه المليارات لم تصل وربما لن تصل، وان وصلت ففي الوقت
الخطأ، وربما بعد افشال الديمقراطية، لانها تسير بسرعة السلحفاة، فهل
من المنطقي، وبعد عشرة اشهر من انتصار الثورة المصرية، ان تعيش الخزانة
المصرية على احتياطاتها من العملات الاجنبية، بحيث باتت هذه الاحتياطات
قريبة من الصفر في وقت لا تعرف الدول العربية النفطية ماذا تفعل بما هو
متوفر لديها من سيولة نقدية سنوية تصل الى الف مليار دولار (تريليون
دولار)؟
اسرائيل هي الاكثر قلقا بل ورعبا من هذا النجاح الديمقراطي الكاسح
لاحزاب الاسلام السياسي، خاصة في مصر، وتشاطرها القلق نفسه الولايات
المتحدة والدول الغربية الاخرى ليس من منطلق الحرص على المكتسبات
الليبرالية التي تحققت على مدى العقود السابقة، وانما على اتفاقات كامب
ديفيد ومعاهدات السلام العربية الاسرائيلية.
' ' '
الولايات المتحدة تجد نفسها في حرج شديد الآن، وبات لزاما عليها ان
تتعاطى مع الحكومات الاسلامية الجديدة، لانها لا تستطيع مقاطعتها مثلما
فعلت مع حركة 'حماس' في الاراضي الفلسطينية المحتلة بتوصية من السيد
الاسرائيلي الذي يصيغ السياسات والتحالفات، بل والحروب الامريكية في
المنطقة بأسرها.
الاسلام السياسي وصل الى الحكم في انتخابات نزيهة شفافة، ولهذا يجب ان
يعطى فرصته كاملة دون اي معوقات داخلية او خارجية.
المنطقة العربية عاشت لاكثر من اربعين عاما في ظل الفساد والقهر
والجوع، ولذلك فان المرحلة المقبلة ومهما اتسمت به من صعاب وتحديات
ومؤامرات الثورات المضادة المدعومة غربيا وامريكيا، افضل بمئات الاميال،
فلن تكون اكثر سوءا. ويكفي انها جاءت خيارا شعبيا، وعنوانا للكرامة
الوطنية التي سحقتها، وما زالت، انظمة الاستبداد.
الاسلام السياسي لا يمكن بل لا يجب ان يرضخ للاهانات الاسرائيلية
والهيمنة الامريكية، ومثلما تصدى للغزو الصليبي وانتزع القدس المحتلة
من براثنه لن يتوانى لحظة في استعادة المقدسات العربية والاسلامية مرة
اخرى وكسر طوق الاذلال المفروض عليها. الحكومات الجديدة لن تقبل بما
قبلت به الانظمة الساقطة او التي لا زالت تترنح، او في طريقها للترنح
امام ثورات الشعوب.
ربما تهادن، وتبتعد عن المواجهات، وتتجنب خلط سلم الاولويات، وتركز على
كيفية تثبيت حكمها، وتنفيذ برامجها الاقتصادية والاجتماعية، ولكنها
حتما لن تنسى قيمها ومبادئها وهذا لا يعني ان القوى الاخرى غير
الاسلامية تقل عنها وطنية، ولكن عندما يتم الاحتكام لصناديق الاقتراع
فلا بد من احترام احكامها كاملة، وفي المقابل يجب ان تلتزم الاحزاب
الفائزة بقواعد اللعبة الديمقراطية كاملة وتحترم الحريات الشخصية
والرأي الآخر، وتؤمن بمبدأ التعايش والائتلاف.
الثورات الشعبية التي اسقطت حتى الآن اربعة انظمة ديكتاتورية كانت
متجذرة متجبرة في ظلمها يجب ان تسقط القهر الاسرائيلي ايضا، وبالوسائل
السلمية نفسها، من خلال زخم جماهيري بالملايين الى الاراضي العربية
المحتلة، فمن تصدى بصدوره العارية لرصاص قوات الامن المصرية والسورية
واليمنية والتونسية والبحرينية لا نعتقد انه يتردد، وهو الذي كسر حاجز
الخوف، ان يواجه الرصاص الاسرائيلي ويسقط شهيدا من اجل تحرير المقدسات.
الشعب الفلسطيني الذي كان رائدا في تفجير الانتفاضات وضرب اروع الامثلة
في مقاومة الاحتلال، يجب ان ينهض من بياته الشتوي، ويستعيد زمام
المبادرة، ولا ينتظر امرا من هذا التنظيم او ذاك، فمن المخجل ان ترفع
الشعوب العربية صوتها عاليا ضد الظلم، وتستشهد من اجل كرامتها وطلبا
للحريات، بينما هو، صاحب القضية العادلة والاراضي المغتصبة يدير وجهه
الى الناحية الاخرى، وكأن ارضه غير محتلة.
' ' '
نعم التغيير الديمقراطي هو اولوية قصوى بالنسبة الى الشعوب العربية
التي عانت من القمع والتوريث والفساد والقبضة الامنية الدموية، ولكنه
ليس ولا يجب ان يكون على قمة اولويات الشعب الفلسطيني، فكل ما يقال عن
انتخابات رئاسية او تشريعية هو اكذوبة، وحقنة تخدير، لحرف هذا الشعب عن
اولوية التحرير الاهم. فاي انتخابات رئاسية هذه والرئيس محمود عباس
نفسه يقول ان سلطته بلا صلاحيات ولا كرامة، ولا سلطة، وان الاسرائيليين
يريدونه انطوان لحد آخر. فهل يذهب الشعب الفلسطيني الى صناديق الاقتراع
بعد خمسة او ستة اشهر لانتخاب انطوان لحد يتزعم سلطة تحمي الاحتلال
ومستوطناته ومستوطنيه، وتصمت على عمليات الحفر والتهويد في القدس
المحتلة؟
نخشى على الثورات العربية من العام الجديد والمؤامرات التي تحاك في
الخفاء لافشالها، وبعض العرب ضالعون فيها ولا نستبعد حربا جديدة في
الخليج العربي، تفجرها اسرائيل ضد ايران تحت ذريعة قرب امتلاكها لاسلحة
نووية، وتهرع امريكا لحمايتها.
المصيدة النفطية التي نصبتها واشنطن للرئيس العراقي صدام حسين الذي جعل
من العراق قوة اقليمية عظمى تبث الرعب في نفوس الاسرائيليين (نعيش
اليوم ذكرى اعدامه) هي نفسها التي تنصبها حاليا لايران، استفزوا الرئيس
العراقي الراحل بسرقة نفطه، ثم اغراق الاسواق بملايين البراميل
الاضافية لتنخفض الاسعار الى اقل من عشرة دولارات للبرميل حتى يجوع
شعبه كمكافأة له على حرب خاضها لمدة ثماني سنوات ضد ايران، وها هم
يستعدون حاليا لاستفزاز ايران من خلال فرض حظر على صادراتها النفطية
يمكن ان يبدأ في الاسابيع الاولى من العام الجديد.
العام الجديد سيحسم الكثير من الملفات قطعا، ولا نبالغ اذا قلنا ان
انتصارات الشعوب العربية ستتواصل، وثوراتها ستتسع، وسواء فجرت امريكا
حربا جديدة ضد ايران او لم تفجر ستكون هي الخاسر الاكبر بعد اسرائيل
قطعا، تستطيع امريكا بما تملكه من قوة جبارة ان تقصف ايران لشهر او
شهرين او عشرة، ولكن ماذا سيحدث بعد ذلك، ألم تنهزم بعد ثماني سنوات
اخرى في العراق، ألم توشك على التسليم بالهزيمة بعد عشر سنوات في
افغانستان ألم يجرها تنظيم القاعدة الى حروب استنزاف دموية ألم تخسر
نفوذها وسمعتها ومئات المليارات نتيجة حروبها التي خاضتها من اجل
اسرائيل اولا والنفط ثانيا؟
اعترف بانني، ولاول مرة، استقبل العام الجديد بروح عالية من التفاؤل،
وعلى عكس كل الاعوام السابقة، والفضل في ذلك يعود الى شهداء الثورات
العربية الابطال الذين قلبوا كل المعادلات، وفتحوا بدمائهم الطاهرة
انصع الصفحات في تاريخنا. ولهذا لا اتردد بان اقول لهم وللارحام التي
انجبتهم شكرا والف شكر ولن ننسى جميلكم.
عام الحرب على ايران؟
اذا كان العام المنصرم هو عام الثورات العربية ضد انظمة قمعية فاسدة
اذلت مواطنيها وسحقت كرامتهم، فانه من غير المستبعد ان يكون العام
الجديد هو عام الهجوم على ايران لتدمير، او عرقلة، طموحاتها النووية
المتصاعدة.
بعض العرب يشككون في امكانية حدوث مثل هذا الهجوم، ويعتقدون ان حلفا
يقوم حاليا بين ايران والولايات المتحدة الامريكية ضد العرب،
والخليجيين منهم على وجه الخصوص، ولكن الوقائع على الارض توحي بما هو
عكس ذلك تماما.
الايرانيون خدعوا الامريكيين في العراق، واذا صحت رواية الدكتور احمد
الجلبي السياسي العراقي المعروف بأنه كان عميلا سريا لايران وعمل
لصالحها من اجل توريط ادارة الرئيس جورج دبليو بوش في حرب دموية
استنزفت الولايات المتحدة عسكريا وماليا وبشريا، مثلما يروج حاليا
ويقدم نفسه على انه زعيم وطني معارض لامريكا، فانه من غير المستبعد ان
تحاول واشنطن الانتقام، تماما مثلما انتقمت من الاتحاد السوفييتي في
افغانستان.
ادارة الرئيس باراك اوباما سحبت جميع قواتها من العراق دفعة واحدة،
وسلمت البلد بالكامل لحلفاء ايران، بعد ان خسرت ما يقرب من التريليون
دولار (الف مليار دولار) وما يقرب من الخمسة آلاف جندي، فهل يعقل ان
تبتلع كل هذه الخسائر وتصمت؟
معركة امريكا مع ايران هي معركة نفط وغاز، وفوق هذا وذاك منعها من
امتلاك اسلحة نووية تهدد اسرائيل، او بالاحرى تلغي تفردها بامتلاك
اسلحة نووية في منطقة ملتهبة، فالتدخل العسكري الغربي في ليبيا لم يأت
من اجل الديمقراطية وحقوق الانسان وتخليص الشعب الليبي من ديكتاتور
ظالم فاسد متجبر، وانما بسبب الاحتياطات النفطية الهائلة من النفط
والغاز، وهناك مؤشرات تفيد بان تدخلا غربيا في الجزائر بات وشيكا
وللغرض نفسه، وما يتم البحث عنه حاليا لتبرير هذا التدخل هو ايجاد
الذريعة او الغطاء.
كان لافتا تموضع معظم القوات الامريكية المنسحبة من العراق في الكويت
ودول خليجية اخرى، اي انها لم تعد الى ثكناتها في الولايات المتحدة او
قواعدها في اوروبا، مما يعني ان احتمالات استخدام هذه القوات وعتادها
في حرب اقليمية اخرى كبيرة، بل ربما كبيرة جدا.
المسؤولون في الدول الغربية يتحدثون عن قرب فرض حظر نفطي على ايران،
الى جانب عقوبات اقتصادية اخرى جرى تطبيقها سابقا، مثل منع التعامل مع
البنوك والشركات الايرانية. ومثل هذا الحظر، لو جرى تطبيقه، سيؤدي الى
زيادة المصاعب الايرانية المتفاقمة، وهو امر ستعتبره طهران استفزازا
مباشرا لها.
' ' '
الولايات المتحدة وحلفاؤها يطبقون السيناريو نفسه الذي جرى استخدامه ضد
النظام العراقي بقيادة الزعيم الراحل صدام حسين، وتحت الذريعة نفسها،
اي سعي ايران لامتلاك اسلحة الدمار الشامل، وهذا يعني اننا ننتظر حاليا
عود الثقاب الذي قد يشعل فتيل الحرب.
الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس قال بالامس ان لدى اسرائيل 'ردودا' على
التهديد النووي الايراني، مؤكدا في الوقت نفسه ان هذا التهديد 'يمثل
مشكلة للعالم اجمع' وليس لاسرائيل وحدها. واضاف في اجتماع لسفراء بلاده
في العالم 'ان لدى اسرائيل قوات ردع حقيقية' ملمحا الى الرؤوس النووية
الاسرائيلية التي يقدرها خبراء في حدود 200 الى 300 رأس نووية.
الحكومة الايرانية تراقب التهديدات الامريكية ـ الاسرائيلية باهتمام
شديد، وهذا ما يفسر اجراءها مناورات بحرية في منطقة الخليج العربي
تستمر لعشرة ايام، تحسبا لاي هجوم امريكي او اسرائيلي او الاثنين معا.
السيد محمد رضا رحيمي نائب الرئيس الايراني هدد صراحة باغلاق مضيق هرمز
الذي يمر عبره اربعون في المئة من النفط العالمي من آباره في منطقة
الخليج، او حوالي 18 مليون برميل يوميا معظمها من المملكة العربية
السعودية والكويت والامارات وقطر والعراق، اذا ما قررت الدول الغربية
فرض حظر نفطي على ايران وصادراتها النفطية، ولهذا لم يكن من قبيل
الصدفة ان يكون هذا المضيق مسرحا هاما للمناورات البحرية الايرانية
المشار اليها سابقا.
اغلاق مضيق هرمز قد يكون عنصر التفجير للحرب المقبلة، لان العالم
الغربي يعتبر امدادات النفط خطا احمر لا يمكن السماح لاي احد بتجاوزه،
وربما يفيد التذكير بان الولايات المتحدة رفعت اعلامها على ناقلات
النفط الكويتية ابان الحرب الايرانية ـ العراقية، عندما هددت ايران
بتدميرها انتقاما من دور الكويت في دعم عراق صدام حسين في هذه الحرب،
وتخصيصها اربعة ارصفة في ميناء الاحمدي لتزويده، اي العراق، باحتياجاته
الضرورية من اسلحة وذخائر ومؤن وبضائع متنوعة.
' ' '
الجبهة الايرانية مرشحة للتسخين في مطلع العام الجديد، وكشفت صحف
بريطانية عن وضع بريطانيا خططا عسكرية مع الولايات المتحدة لضرب ايران.
كما ان الرئيس الامريكي باراك اوباما كرر اكثر من مرة ان كل الخيارات
للتعاطي مع الملف النووي الايراني مطروحة على الطاولة، بما فيها الخيار
العسكري.
الصمت الغربي تجاه ما يجري في سورية قد يكون مرده الاستماع الى النصائح
الخليجية التي طالبت واشنطن بالذهاب الى رأس الافعى في طهران وقطعه،
حسبما جاء في وثائق ويكيليكس، ويبدو ان هذا الرأس يدرك هذه الحقيقة
جيدا ويستعد لها كأنها ستحصل غدا.
العالم الغربي يعيش ازمات مالية خانقة قد تتفاقم في حال اغلاق مضيق
هرمز ووصول اسعار برميل النفط الى ضعفي سعرها الحالي، اي مئتي دولار
للبرميل في اكثر التقديرات تفاؤلا.
دول الخليج ستكون المتضرر الاكبر، سواء اذا ما جرى اغلاق المضيق او
تفجر الحرب، فالانتقام الايراني سيستهدفها حتما، خاصة الدول التي
تتواجد فيها قواعد عسكرية امريكية.
ومثلما فاجأنا العام الماضي بالثورات العربية قد يفاجئنا العام الجديد
بحرب اقليمية تكون ايران مسرحها الرئيسي، فالاستقطاب الطائفي الشرس
الذي تشهده المنطقة، وصفقات الاسلحة الضخمة التي يتم شراؤها (120 مليار
دولار طائرات وصواريخ للسعودية والامارات) وتأخر حسم الاوضاع لصالح
الانتفاضة الشعبية في سورية، وتعثر مسيرة التسوية على المسار الفلسطيني
ـ الاسرائيلي، والتغيير الجذري الذي وقع في مصر وتونس بفوز الاسلاميين
بالنسبة الاكبر من الاصوات، كلها مؤشرات على ان احتمالات الحرب اكبر
بكثير من احتمالات السلام.
تفجيرات دمشق: القادم اعظم
ظل المتحدثون باسم السلطات السورية
يتباهون طوال الاشهر العشرة الماضية بان الانتفاضة الشعبية المطالبة
بالتغيير الديمقراطي لم تصل مطلقا الى قلب العاصمة دمشق، وانحصرت
فعالياتها إما في مدن بعيدة مثل حمص وحماة ودرعا او في الريف السوري،
والدمشقي منه على وجه الخصوص، وجاءت التفجيرات التي استهدفت مركزين
امنيين في قلب العاصمة يوم امس، واوقعت اكثر من اربعين قتيلا، ومئة
جريح لتنسف هذه الحجة، وتعطي صورة مأساوية لما يمكن ان تكون عليه
الاوضاع مستقبلا، والعام الجديد على وجه التحديد.
هناك روايتان متضاربتان، واحدة للمعارضة تقول ان هذه التفجيرات
'مفبركة'، بدليل سرعة توجيه النظام اصابع الاتهام لتنظيم 'القاعدة'،
وتأكيده على اعتقال الذين نفذوها، الامر الذي ينطوي على تناقض كبير بين
رواية رسمية تقول ان منفذي التفجيرات انتحاريون، فكيف يكونون انتحاريين
ويتم القبض عليهم احياء، حسب تساؤل احد المعارضين وهو السيد ميشيل كيلو.
اما الرواية الثانية التي يرددها المتحدثون باسم النظام فتؤكد ان تنظيم
'القاعدة' بدأ يمارس عملياته داخل سورية، وان الامن اللبناني حذر قبل
ايام معدودة من تسلل عناصر للتنظيم الى البلاد، وجرى القبض على اكثر من
عشرين شخصا من هؤلاء مدججين بالاسلحة، بعضهم سوريون، والبعض الآخر من
جنسيات عربية.
لا نعتقد ان النظام السوري الذي يحاول اعطاء انطباع للداخل السوري اولا،
وللعالم الخارجي ثانيا، بانه مسيطر تماما على الاوضاع في البلاد، واوشك
على انهاء الاحتجاجات بالقوة، يمكن ان يقدم على 'فبركة' مثل هذه
التفجيرات، من اجل تضليل وفد مراقبي الجامعة العربية، وحرف مهمته عن
مسارها. والقول تبريرا لهذه النظرية بان المراكز الامنية المستهدفة
بالتفجير محروسة بشكل جيد، ويصعب الوصول اليها مبالغ فيه كثيرا، وعلينا
ان نتذكر بان الامن السوري ضعيف ومخترق، بدليل اغتيال الشهيد عماد
مغنية في قلب العاصمة السورية وفي منطقة السفارات الاكثر امنا وتحصينا،
ونسف حافلة ركاب لسياح ايرانيين في منطقة السيدة زينب، وقيل وقتها ان
احد اطاراتها انفجر لرفع الحرج عن قصور الاجهزة الامنية وضعفها، وكذلك
تفجير مقر للامم المتحدة. هذه التفجيرات وقعت كلها قبل الانتفاضة
السورية وانشغال الامن والجيش في محاولة قمعها بالقوة، مما اضعف
تركيزهما، واستنزف قواتهما، وتحميلهما اكثر من طاقتهما وقدراتهما.
واذا عدنا الى انشطة تنظيم 'القاعدة' وهجماته في العراق، والعاصمة
بغداد على وجه الخصوص، نجد ان معظمها استهدف مواقع اكثر تحصينا من
الناحية الامنية، مثل وزارة الداخلية، بل والمنطقة الخضراء نفسها،
مثلما وصلت الى مركز التجارة العالمي، والمدمرة الامريكية 'اس.اس.كول'
في ميناء عدن، وعشرات بل مئات العمليات الاخرى المماثلة في مختلف انحاء
العالم.
تنظيم القاعدة لم يحتج الى اذن من صدام حسين او معارضيه لدخول العراق
وتنفيذ هجماته داخل اراضيه، وكذلك لن يطلب اذنا من النظام السوري ولا
من معارضيه لتنفيذ مثل هذه العمليات.
' ' '
لا نجزم ان تنظيم 'القاعدة' يقف حتما خلف تفجيرات دمشق الاخيرة، ولكن
ليس مستبعدا او مستغربا اذا كان فعلا هو المنفذ، فايديولوجية هذا
التنظيم، وكل التنظيمات الاصولية المتشددة المماثلة، تعادي النظام
السوري وتكفره، وتتهمه بالطائفية. مضافا الى ذلك ان له فروعا قوية في
العراق شرق سورية وقرب حدودها (دولة العراق الاسلامية) وفي لبنان (فتح
الاسلام وغيرها).
تنظيم 'القاعدة' لم يعد تنظيما مركزيا، بل مظلة ايديولوجية جامعة تنضوي
تحتها فروع متعددة بقيادات ميدانية اصبحت اقوى من المركز، مثل تنظيم
القاعدة في المغرب الاسلامي، وشباب الاسلام في الصومال، وتنظيم القاعدة
في الصحراء الافريقية والساحل (التوحيد والجهاد) وتنظيم القاعدة في
الجزيرة العربية ومقره اليمن، علاوة على التنظيم الام في افغانستان،
ولن يكون مفاجئا اذا ما سمعنا قريبا عن تنظيم 'القاعدة' في سورية،
فالكثير من الاصوليين السوريين كانوا من اعمدة التنظيم ومنظريه
الايديولوجيين والعسكريين، وابرزهم ابو مصعب السوري (مصطفى الست مريم)
الذي كان الذراع الايمن للشيخ اسامة بن لادن، وقد التقيته في لندن،
وكان حاضرا اثناء اجراء مقابلتي الصحافية مع زعيم التنظيم في جبال تورا
بورا. مضافا الى ذلك ان الخلية المسؤولة عن تفجيرات القطارات في مدريد
عام 2006 ضمت عددا من السوريين، مثل ابو الدحداح. والنظام السوري تعاون
بشكل وثيق مع الولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب، وقدم 25 الف وثيقة
في هذا الصدد، وصرح الرئيس بشار الاسد بان سورية منعت قتل عشرات
الامريكيين بفضل هذا التعاون. وهناك ثأر مبيت بين الجانبين على اي حال.
استخدام النظام السوري لـ'فزاعة' القاعدة لن يفيده، مثلما لم يفد
العقيد معمر القذافي، واذا كان التنظيم وصل فعلا الى سورية، فذلك بسبب
الحلول الامنية الدموية التي اعتمدها لمواجهة الاحتجاجات، تماما مثلما
فعلت واشنطن وقادة احتلالها للعراق عندما اعتمدوا المحاصصة الطائفية،
وانحازوا الى طائفة ضد اخرى، ومزقوا الهوية الوطنية للبلد، وتعامل
حلفاؤهم بطريقة ثأرية انتقامية مع خصومهم.
القيادة العسكرية في العراق المحتل قلصت من عمليات تنظيم 'القاعدة'
والجماعات المسلحة الاخرى عبر اتباع اسلوب العصا والجزرة، العصا من
خلال زيادة عدد القوات الامريكية الى حوالي 175 الف جندي، بتوصية من
الجنرال ديفيد بترايوس، والجزرة من خلال تكوين ما سمي بقوات 'الصحوات'،
اي توظيف بعض قادة العشائر واعضاء في تنظيم القاعدة والجماعات السنية
المسلحة في المشروع الامريكي لقتال التنظيم، اي 'القاعدة' وابعاده من
العراق. الخطة حققت نجاحا ملموسا، ولكن بعد اكتمال انسحاب القوات
الامريكية من العراق، وتفرد النظام الطائفي الديكتاتوري الذي يحكمه
بالسلطة، وفشله في تحقيق المصالحة الوطنية، واستيعاب قوات الصحوات في
الجيش والقوى الامنية، فان علينا ان نتوقع عودة قوية لتنظيم 'القاعدة'
والجماعات العسكرية الاصولية في المثلث السني الى ما كان عليه الحال
عام 2006. وليس صدفة ان تأتي تفجيرات دمشق هذه بعد يوم من 14 تفجيرا
استهدفت العاصمة العراقية واوقعت اكثر من سبعين قتيلا.
المنطقة العربية تشهد حاليا عمليات تحريض وفرز طائفيين غير مسبوقين،
تلعب فيها فضائيات سنية وشيعية دورا كبيرا، وفي ظل هذا المناخ علينا ان
نتوقع ترجمة دموية لهذا التحريض في العراق وسورية ولبنان على وجه
الخصوص، في العام الجديد.
استهداف مركزين امنيين في التفجيرات الاخيرة في دمشق، وقبلها مركز
للمخابرات في حمص لم يكن من قبيل الصدفة، لان هذه المراكز ارتبطت في
اذهان المواطنين السوريين بكونها اوكارا للتعذيب الشرس، واذلال
المواطن، وسحق ادميته، وتدمير كرامته الشخصية والوطنية في آن. وكان
الاسلاميون هم الضحايا الاكبر لهذه الممارسات. وعلينا ان نتوقع هجمات
مماثلة، اذا صح ان 'القاعدة' خلفها فماذا تنفع التحصينات الامنية مع
انسان يقود سيارة ملغومة ويتطلع الى الشهادة باعتبارها اقصر الطرق
واسرعها للوصول الى الجنة حسب معتقداته وتنشئته؟
' ' '
الحلول الامنية نجحت في تخفيض فعاليات الانتفاضة، فعدد ضحاياها وصل الى
خمسة آلاف انسان على الاقل، حسب ارقام الامم المتحدة، ثم ان الشعب
السوري تعرض للانهاك حيث تصدى لهذه الحلول الدموية وحده ودون اي عون
خارجي لحوالي عشرة اشهر، بينما لم تستمر الانتفاضة المصرية الا 19 يوما
والتونسية ستة اسابيع، ولكن هذا النجاح الامني في ظل انسداد سياسي
واصلاحات داخلية حقيقية، دفع باتجاه عسكرة الانتفاضة، وتحولها تدريجيا
الى الحلول العسكرية المضادة من خلال، حرب استنزاف ما زال ميزان القوى
فيها يميل لصالح النظام، ولكن قد تتغير الصورة مستقبلا في ظل الحصار
الاقتصادي المفروض الذي بدأ يعطي ثماره في انهاك النظام وقواته الامنية
والعسكرية. فسورية محاطة بدول معادية ولها 800 كيلومتر من الحدود مع
تركيا في الشمال و400 كيلومتر مع الاردن في الجنوب، واكثر من ذلك قليلا
مع العراق وبدرجة اقل مع لبنان، وعمليات تهريب الاسلحة والمقاتلين في
تصاعد مرعب.
سورية انجرفت، ولا نقول تنجرف، وبسرعة الى حرب طائفية وتمرد عسكري بعد
تراجع احتمالات التدخل الخارجي، على غرار ما حدث في ليبيا، فاستغاثات
بعض الجماعات المعارضة في الخارج لحلف الناتو لن تجد آذانا صاغية في
الوقت الراهن على الاقل، فلا نفط ولا ودائع في سورية، كما ان التدخل
العسكري قد يكون مكلفا جدا بشريا وماليا في زمن يعيش الغرب حالة من
الافلاس الاقتصادي، وينسحب من العراق مهزوما وقريبا من افغانستان.
وفد مراقبي الجامعة العربية سيواجه الفشل تماما مثل المبادرة العربية،
لان النظام لن يسهل مهمته، وقبل ببروتوكوله لكسب الوقت، اما الشعب
السوري، او المنتفض منه، فيراه دعما للنظام واطالة لعمره، ولذلك شاهدنا
لافتات يرفعها المحتجون تصفه بـ'بروتوكول الموت' و'الجامعة تتاجر
بدمائنا'.
المشهد السوري على ابواب مرحلة اكثر دموية، نقولها وفي القلب حسرة
وألم، فضحايا القتل والتفجيرات والحرب الطائفية الاهلية هم سوريون
واشقاء ايا كان الخندق الذي يقفون فيه.
العسكر واستعداء الشعب المصري
منذ ان حققت الثورة المصرية انجازها الاكبر
في اطاحة نظام الرئيس حسني مبارك وبطانته الفاسدة، والمؤامرة لا تتوقف
عليها، سواء من داخل البلاد حيث مافيا النظام السابق التي جمعت
المليارات من دماء المصريين، او بعض الدول العربية التي رصدت الاموال
الطائلة لافشال الثورة، او الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل اللتين
لا تريان مصر الا من خلال اتفاقات كامب ديفيد ومشاريع الهيمنة
الامريكية في المنطقة.
هذا المثلث المتآمر هو الذي يصب الزيت على نيران الاضطرابات الحالية،
إخراج الثورة عن مسارها الوطني، وخلق حالة من الفوضى في البلاد تشوه
صورتها، وتمهد الاجواء لانقلاب يعيد البلاد الى ديكتاتورية العسكر
مجددا، وهي ديكتاتورية يمكن ان تكون اسوأ بكثير من ديكتاتورية حسني
مبارك والرئيس انور السادات من قبله.
ومن المؤلم ان المجلس العسكري المصري الحاكم، يساهم، وربما من قبيل حسن
النية، في انجاح هذا المثلث ومؤامراته، من خلال بعض السياسات والقرارات
الخاطئة التي يتخذها، وتشكل استفزازا للشعب المصري وشبابه الثائر، مما
يدفعه الى النزول الى ميدان التحرير للاحتجاج والتظاهر من منطلق الحرص
والخوف في الوقت نفسه على ثورته التي يرى انها تسرق امام عينيه.
لا نعرف لماذا هذا الاصرار من قبل المجلس على العودة الى الوراء،
والاستعانة برموز نظام مبارك، وكأن الارحام المصرية قد عجزت عن انجاب
شخص آخر غير الدكتور كمال الجنزوري مثلا، او قبله عصام شرف، او منصور
حسن رئيس المجلس الاستشاري.
اكثر من نصف تعداد سكان مصر تحت سن الخامسة والعشرين عاما، نسبة كبيرة
منهم يعيشون الحداثة في انصع صورها واشكالها، بينما السيد الجنزوري
ومعظم المسؤولين الذين يختارهم المجلس العسكري لتولي المناصب القيادية
الهامة في السلطة التنفيذية هم فوق السبعين عاما في المتوسط، فهل هذا
منطقي؟
الثورة جاءت من اجل التغيير، والدفع بدماء شابة في شرايين الدولة
ومؤسساتها، والانطلاق نحو المستقبل، واكتساب ادوات العلم والمعرفة
الحديثة، للنهوض بالبلاد من ازماتها الطاحنة، واعادة بنائها على اسس
عصرية مؤسساتية، ولكن المجلس العسكري يريد اعادة استنساخ النظام
السابق، وتدوير وجوهه ورموزه، تحت عناوين الخبرة والاستقرار، وهي حجج
وذرائع لا تقنع احدا.
' ' '
ما لا يدركه المشير محمد حسنين طنطاوي الذي يختار هؤلاء 'العواجيز' مثل
الدكتور الجنزوري ، ان الرئيس الامريكي باراك اوباما ما زال تحت
الخمسين،وكذلك رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، والرئيس الروسي
ديمتري ميدفيديف ورئيس الوزراء فلاديمير بوتين، ولا ننسى ان نيكولا
ساركوزي والمستشارة الالمانية انجيلا ميركل في منتصف الخمسينات. فماذا
يمنع لو تولى المسؤولية في مصر شبابها الذين فجروا الثورة، ورووها
بدمائهم الزكية الطاهرة؟
السيد الجنزوري ليس خيارا موفقا، مع احترامنا لكل التبريرات التي
يقدمها المجلس العسكري لتبرير انتقائه من بين طابور طويل من القيادات
المصرية الشابة، التي تعلمت او عملت في ارقى الجامعات والشركات
العالمية. فالرجل يقف خلف مشاريع الخصخصة التي فتحت ابواب مصر على
مصراعيها لفساد مافيا رجال الاعمال، ونهب المال العام بالتالي. صحيح
انه تعلم في الغرب، ولم يتورط مطلقا في الفساد او اي من امراض النظام
السابق، ولكن مصر تريد كفاءات شابة لإدارتها وليس اناسا على نمط 'الام
تيريزا'.
نستغرب ان يغيب عن ذهن المشير طنطاوي واعضاء المجلس المنضوين تحت
قيادته ان الرئيس مبارك يحاكم وجميع اركان حكمه، لانهم ارتكبوا أم
الخطايا عندما قتلوا او اعطوا الاوامر، بقتل مئات من الشباب المصري في
ميدان التحرير. وها هي قوات الجيش والأمن المركزي ترتكب الجرائم نفسها،
وتقتل اكثر من خمسين شابا لانهم عبروا عن معارضتهم للدكتور الجنزوري
وحكومته.
تكرار الاعتداءات على المتظاهرين يفقد المجلس العسكري شرعيته التي كان
اكتسبها عندما رفض اراقة الدماء في ايام الثورة الاولى، واجبر الرئيس
مبارك على الرحيل، وفقدان المجلس شرعيته، واهتزاز صورته في اوساط
ثمانين مليون مصري، يعني الفوضى والمزيد من القتل والتخريب، او انقلابا
عسكريا تحت عنوان فرض الاستقرار والحفاظ على الأمن، واي من هاتين
النتيجتين كارثة لمصر والأمة العربية بأسرها.
هناك مخططات بل جرائم بشعة لا تريد لهذه الثورة ان تنجح حتى لا تصل الى
منابع النفط وكنوزه في الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي، خاصة بعد
ان جاءت الانتخابات في جولاتها الاولى والثانية بالاخوان المسلمين
والسلفيين الذين حصدوا ما نسبته 65 في المئة من مقاعد البرلمان.
' ' '
المجلس العسكري يجب ان يعمل على إفشال هذه المؤامرة بتجنب تقديم اي
ذرائع للذين يقفون خلفها، مثل قتل وسحل المتظاهرين، ورفض مطالب
المتظاهرين، او محاولة البقـــاء في الحكم وتكريس معظم السلطات في يده،
اي المجلس العسكري.
لا نتردد لحظة في تبرئة شباب الثورة من جريمة حرق المجمع العلمي، الذي
يحتوي على اغلى كنوز مصر واثمنها من المخطوطات والكتب التي جرى جمعها
وحفظها منذ ان بناه نابليون قبل مئتي عام، او اي مؤسسات عامة او مبان
حكومية، لان هؤلاء الشباب احرص على مصر وثرواتها وكنوزها من اي فئة
اخرى، لما اكتسبوه من علم ووطنية وايمان واخلاص لبلدهم وعقيدتهم وامتهم.
الاعتداء الكارثي على المعتصمين اعطى نتائج عكسية تماما، واشعل حرب
شوارع وسط القاهرة، وكلف البورصة المصرية خسائر تصل الى ملياري دولار
في اقل من يومين، في وقت تحتاج مصر الى كل دولار يستثمر في اقتصادها
المتضعضع.
نشعر بالحزن والالم، فبعد ان كانت مصر تعيش عرسا ديمقراطيا مع اجراء
انتخابات جرى وصفها بأنها اول انتخابات حرة منذ ستين عاما، اصبحت، اي
مصر، تعيش مأتما وحالة من القلق والخوف من مستقبل مجهول، قد يكون احد
عناوينه الفوضى الشاملة وسقوط هيبة الدولة.
المجلس العسكري يجب ان يتحمل مسؤولياته والاستماع الى الشعب، وليس الى
قوى الضغط الامريكية والاسرائيلية والعربية المتحالفة معهما ومع مشاريع
هيمنتهما، من حيث تغيير السيد الجنزوري وحكومته، تماما مثلما اسقط
حكومة شرف وتقديم موعد الانتخابات الرئاسية، لطمأنة الشعب حول جدية نقل
السلطة الى المدنيين، وانهاء سيطرة المؤسسة العسكرية على مقدرات
البلاد.
نكتب عن مصر لأننا نحبها، ونراهن على نجاح ثورتها، لان انكسار هــــذه
الثورة لا قدر الله، هو انكسار للأمــــة بأسرها، والعــــودة بها الى
عصور الظــــلام والفساد والإذلال والعبودية والتبعية، ومصادرة الدور
والكرامة المصريين، وهذا ما لا نريده ولا يريده الشعب المصري، صاحب
الرصيد الكبير في الريادة وعزة النفس.
المجلس العسكري حريص على كسب امريكا من اجل مساعداتها، ودول الخليج من
اجل اموالها التي لم يصل منها الا فتات الفتات، وعلى العلاقة مع
اسرائيل لتجنب غضبها، ولكنه نسي حقيقة هامة انه بدأ يخسر الشعب المصري،
ان لم يكن قد بدأ يستعديه.
موسم النصائح للإخوان المسلمين
تنهال النصائح على حركة الإخوان المسلمين الفائزة بالنصيب الاكبر من المقاعد
البرلمانية في الجولة الاولى من الانتخابات البرلمانية المصرية (46' والسلفيون
21')، حول كيفية التعاطي مع الأزمات الملحّة التي تواجه البلاد، الاقتصادية منها
على وجه الخصوص، وطبيعة العلاقات مع دول الجوار العربي، وهي نصائح منطقية مشروعة،
تعكس حرصا على نجاح الحركة في ظاهر الأمر، ولكن هدفها الاساسي والجوهري قد يكون
مخالفا لذلك تماما.
اللافت ان نسبة كبيرة من هذه النصائح، تطرح مفهوما بدأ ينتشر في المنطقة العربية في
زمن ما قبل الثورات الاصلاحية العربية، يطالب بالابتعاد عن القضية المركزية العربية
الاولى، والتركيز على الهموم الداخلية للمواطن العربي، وكأن هناك تناقضا بين
المسألتين.
فبعد شعار 'ايران اولا وفلسطين ثانيا' بدأنا نرى تطويرا اكثر ذكاء يقول 'الوظائف
اولا.. وفلسطين ثانيا'، في ايحاء ملحوظ، او بالاحرى في'تحريض' لحركة الاخوان
المسلمين، بالالتفات كليا الى هموم الشعب المصري واحتياجاته الآنية، وتكريس انطباع
سائد وخاطئ في الوقت نفسه يقول بأن الثورات الشعبية العربية انطلقت اساسا بسبب
الجوع والحرمان من لقمة العيش، وليس من اجل الكرامة الوطنية والشخصية معا، وفي هذا
اهانة كبيرة لهذه الثورات وشهدائها.
لا احد يطالب الاحزاب الفائزة بالانتخابات في دول انتصر فيها الربيع العربي في
اطاحة انظمة ديكتاتورية، بإعطاء الأولوية للقضية الفلسطينية على حساب مصالح شعوبها،
التي تعاني من الفقر والبطالة والحرمان من الخدمات الاساسية، ولم يعترض احد عندما
لم يحرق المتظاهرون في ميدان التحرير، او شوارع حمص وحماة ودرعا في سورية، والحبيب
بورقيبة في تونس، اعلام اسرائيل وامريكا لسبب بسيط وهو ادراكنا بأن هذه الشعوب
الشقيقة التي تطالب بالاحترام والكرامة والحريات الاساسية، لا يمكن ان تبخل بها على
اشقائها في الاراضي المحتلة، وهي الشعوب نفسها التي انتفضت غضبا اثناء اجتياح قطاع
غزة، واحتلال بغداد، واحتفلت بانتصار المقاومة في لبنان على العدوان الاسرائيلي عام
2006.
ندرك جيدا ان المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، مثلما ندرك ايضا ان الشعوب
المقهورة الجائعة لا يمكن ان تحرر ارضا او تستعيد مقدسات، ولكننا لا نريد ان تنتقل
ثقافة الاستسلام التي سادت المنطقة، بفضل خنوع انظمة الاستبداد لأمريكا واسرائيل،
طوال السنوات الاربعين الماضية، الى مرحلة ما بعد الربيع العربي من خلال فتاوى تبطن
ما لا تظهر.
' ' '
بمعنى آخر نقول ان تخلف العرب، وجوع معظمهم، وازدياد نسبة البطالة في صفوف الشباب،
لم تكن مطلقا بسبب انخراط الانظمة في حروب ضد الاذلال الاسرائيلي والهيمنة
الامريكية، وانما بسبب الفساد، وغياب العدالة الاجتماعية والسياسية، والتوزيع
العادل للثروة، فمصر حسني مبارك لم تخض اي حرب ضد اسرائيل على مدى اربعين عاما،
وكذلك المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وفوقها سورية الممانعة، وعدم الالتفات
الى قضية فلسطين ومهادنة الاحتلال الاسرائيلي، بل والتطبيع معه، لم يمنع وصول
البطالة في اوساط الشباب السعودي الى اكثر من 25'، رغم دخل سنوي من عوائد النفط في
حدود 300 مليار دولار، ومعيشة اكثر من 40 مليون مصري تحت خط الفقر، اي اقل من
دولارين يوميا. فقضية فلسطين ومقدساتها لم تكن سببا في ازمات الأمة، بل ان هذه
الأزمات تفاقمت عندما تم التخلي عنها، واثر انتشار دعوات قطرية.
وهذه الدعوات التي رددها ليبراليون وبعض المحسوبين على اليسار كانت من اسباب تراجع
حظوظهم الانتخابية والشعبية وتقدم حظوظ الاسلام السياسي الذي ظل متمسكا بعقيدته
الاسلامية الاممية، ورافضا الاتفاقات مع الاسرائيليين.
الخوف المتنامي من خطر وصول الاسلام السياسي الى السلطة بفضل صناديق الاقتراع في
اكثر من دولة نجح فيها الربيع العربي، واعطى ثماره الديمقراطية، ومصر على وجه
الخصوص، ليس عائدا الى الحرص على الديمقراطية والحريات الشخصية، وهو حرص مشروع
ومقدر، وإنما على اسرائيل واستمرارها قوية نووية متفوقة. فالحريات هذه كانت مقموعة
في زمن انظمة الطغيان المدعومة من الغرب بالمال واتفاقات الحماية الامنية، ولم نر
هذا الغرب الليبرالي يطالب بها، بل رأيناه يدعم قمعها، ويحظى بتأييد رهط من الكتاب
والمنظرين.
لا نتردد لحظة في الوقوف في خندق الثورات العربية جميعا دون اي استثناء، وتقديم
الكرامة الشخصية والحريات الديمقراطية على كل القضايا الاخرى 'مؤقتا'، بما في ذلك
فلسطين، فالشعوب المقهورة المحكومة بالشبيحة، والحديد والنار، والارهاب، لا يمكن ان
تنصر قضاياها العربية، وتنتصر في الحروب ضد الاعداء، ولكننا نعارض بشدة محاولات
الفصل 'الخبيثة' بين الكرامة الشخصية والكرامة الوطنية القومية والاسلامية، تحت
مسميات واعذار مختلفة.
الاسلام السياسي حقق فوزا كاسحا في جميع انتخابات الربيع العربي دون اي استثناء
(تونس، مصر، والمغرب) ليس لانه يملك تجربة ثرية في الحكم وادارة شؤون الدولة،
وقادته خبراء في الاقتصاد والتنمية وكيفية مكافحة البطالة وخلق الوظائف، وإنما لانه
كان الاكثر معاناة بسبب مقاومته للطغاة، اعتقالا وتعذيبا وقتلا، والتصاقا بالقاعدة
الشعبية العريضة، وتفهم مطالبها واحتياجاتها، ومعايشة لاحباطاتها المعيشية، والاهم
من كل ذلك عدم الفصل بين الهموم المعيشية الداخلية للمواطن، والقضايا العربية
والاسلامية، وعلى رأسها قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وضرورة دعم مفهوم
المقاومة بأشكالها كافة.
هذا لا يعني ان احزابا اخرى غير اسلامية لا تتبنى القضايا العادلة، ولا تتفهم
معاناة المواطن، ولكن الخلل الكبير الذي وقعت فيه هذه الاحزاب والتيارات هو
نخبويتها وانحصارها في المدن، ومهادنة بعضها لأنظمة الطغاة، تحت لافتة امكانية
الاصلاح، والابتعاد عن العمق الشعبي في الارياف حيث المعاناة الحقيقية، والتركيز
على الفضائيات كبديل عن الاتصال المباشر بالمستودع والمخزون البشري الحقيقي.
' ' '
طالما اننا نعيش موسم توجيه النصائح للاسلام السياسي من كل الجهات، ولأسباب متعددة،
نرى لزاما علينا ان ندلي بدلونا، ونعرب عن تمنياتنا بان لا ينسوا، وهم الذين ينعمون
حاليا بنشوة انتصار، نأمل ان تطول، ان لا يبخلوا على اشقائهم بنعم الحريات والكرامة
التي حققتها شعوبهم، بفضل تضحيات غالية عمادها الدم والارواح. ونفصح اكثر بالقول ان
على المتمتعين بثمار الربيع العربي وازهاره ان يمدوا يد العون والمساندة لكل
البلدان الاخرى التي لم تصلها بعد شرارة الانتفاضات، خاصة في المملكة العربية
السعودية ودول الخليج العربي. فشعوب هذه البلدان تعاني قهرا من نوع آخر ولا يقلون
تعطشا للحريات الديمقراطية والكرامة الانسانية.. صحيح ان انظمتهم اقل قمعا، وامعاء
معظمهم مليئة بالطعام الطيب بفضل عوائد نفطية هائلة لشعوب قليلة العدد، ولكن هناك
جوعا من نوع آخر، جوع للكرامة والديمقراطية والمشاركة السياسية، والعدالة
الاجتماعية، والقضاء العادل المستقل والشفافية، مثل جميع الشعوب الاخرى.
في هذه الدول تحرك شعبي يواجه القمع والتشكيك، ويطالب بالاصلاح، او الحد الادنى
منه، يجب ان يحظى بالدعم والمساندة بغض النظر عن المذهب الديني لابنائه والمشاركين
فيه، ونتمنى على الشيخ يوسف القرضاوي، الذي ناصر الثورات الشعبية في سورية وليبيا
واليمن ومصر، ان يبادر بإصدار فتوى مماثلة لفتاواه بشرعية تحرك هؤلاء، والحث على
نصرتهم ايضا، فهم ليسوا في معظمهم عملاء لايران، ولا غالبيتهم من انصار ومؤيدي
تنظيم 'القاعدة'، الفزّاعتين اللتين تستخدمان حاليا لتشويه صورتهم من قبل البعض،
فهؤلاء طلاب حرية وعدالة ومساواة مثل غيرهم من الشعوب العربية المنتفضة.
الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي انصف العلماء السنة ومؤسستهم الدينية،
بل والاسلام السياسي عندما كان من اوائل من رفع صوته، ومن قلب واشنطن، معلقا الجرس،
ومطالبا بالديمقراطية والحريات في دول مسكوت عنها، واشار بإصبعه بكل جرأة وشجاعة
الى المملكة العربية السعودية، وهي شجاعة تحسب له في وقت يلوذ فيه الكثيرون بالصمت.
ختاما نقول بأنه لا كرامة لربيع عربي لا يضع القدس المحتلة المهانة المذلولة، قبلة
المسلمين جميعا ووقفهم، ولا نقول فلسطين، على قمة اولوياته، فالقدس اولا وثانيا
وعاشرا، بل هي اولى من رغيف الخبز والوظائف بالنسبة الى كل عربي ومسلم وانسان، وليس
هناك ما يمنع او يتعارض مع الاستعداد الجيد وملء البطون قبل الالتفات الى فرض
استعادتها وتحريرها.،
الشعب يريد طرد الاسرائيليين
كثيرة هي الاجتهادات والمواقف والايديولوجيات التي تفرّق بين الاشقاء المصريين،
فهناك القومي، واليساري، والاخواني، والسلفي، المسلم والقبطي، المعتدل والمتطرف،
ولكن القاسم المشترك الذي يوحد بينهم هو الكراهية المطلقة لاسرائيل، وهذه قمة
الوطنية والشهامة، لان اسرائيل هذه، بما ارتكبته وترتكبه من جرائم في حق مصر، ومن
ثم العرب والمسلمين لم تترك لهم خياراً آخر غير كراهيتها باعتبارها المصدر الاساسي
للشرور في المنطقة بأسرها.
اسرائيل هي التي غزت جنوب لبنان عدة مرات وقتلت الآلاف من ابنائه، وهي التي غزت
قطاع غزة واستخدمت قنابل الفوسفور الابيض لقتل 1400 معظمهم من الاطفال والنساء
العزل، وهي التي اعترضت سفن الحرية في عرض البحر المتوسط، واغتالت تسعة من الاتراك،
واخيراً هي التي قتلت ستة جنود مصريين بصواريخها امتزجت دماؤهم بتراب سيناء الطاهر.
الذين تظاهروا امام السفارة الاسرائيلية وحطموا السور الواقي لها، كانوا مواطنين
عاديين، لم يرسلهم تنظيم اسلامي او علماني، اخواني او وفدي، عبروا عن هذه الكراهية
بتسلق 19 طابقاً، واقتحام المقر واحراق العلم الاسرائيلي.
الشاب الذي قاد عملية الاقتحام هذه قال في حديث لصحيفة 'الجمهورية' انه عندما دخل
المقر 'شعر برهبة شديدة، واشتم دماء الشهداء المصريين الذين سقطوا في سيناء ومدرسة
بحر البقر وعلى ضفة القناة برصاص الاسرائيليين'. والاكثر من ذلك اشار الى 'ان سكان
العمارة الذين رأوه وزملاءه يتسلقون الادراج، استقبلوهم بالزغاريد، وكانوا ينادونهم
بالأبطال'.
ثلاثون عاماً من السلام المذل والتطبيع البارد لم تغير مشاعر الشعب المصري تجاه
اسرائيل، بل زادتها غضباً وكراهية، والفضل في ذلك يعود الى الاسرائيليين وحكوماتهم
المتغطرسة التي تعمدت اذلال العرب والمسلمين، والتغول في ارتكاب المجازر، وتدمير
عملية السلام.
' ' '
المجلس العسكري الحاكم في مصر ارتكب خطيئة كبرى بعدم إدارته لأزمة استشهاد الجنود
المصريين الخمسة في سيناء بطريقة حازمة، وقراءته بشكل صحيح لمشاعر الشعب المصري على
وجه الخصوص، فقد كان امامه خياران اساسيان لا بد من الاقدام عليهما او احدهما على
الاقل:
الاول: ان يبادر فوراً الى طرد السفير الاسرائيلي من القاهرة وتخفيض التمثيل
الدبلوماسي مع تل ابيب الى الحدود الدنيا، مثلما فعل رجب طيب اردوغان رئيس وزراء
تركيا، رداً على مقتل مواطنيه على ظهر السفينة 'مرمرة'.
الثاني: الاصرار على اعتذار اسرائيلي كامل لا لبس فيه او غموض، والتعهد رسمياً بعدم
تكرار هذه المجزرة، ودفع تعويضات لأسر الضحايا.
من المؤسف ان المجلس العسكري لم يقدم على اي من هذين الخيارين، لامتصاص غضب الشعب
بالتالي، الامر الذي دفع المواطنين المصريين الى الانتقام من السفارة الاسرائيلية
بالطريقة التي شاهدناها، وتخفيض العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل من سبعين
دبلوماسياً الى مساعد قنصل فقط.
مقتحمو السفارة الاسرائيلية الشبان كشفوا مدى ضعف هذه الدولة الاسرائيلية امام غضب
الشعوب، فاسرائيل التي ارهبت حكاماً ودولاً عربية تملك الدبابات والصواريخ، عجزت
كلياً عن حماية سفارتها، او اطلاق رصاصة واحدة على المقتحمين خوفاً ورعباً، رغم
وجود الحراس المدججين بالسلاح، لانها تدرك جيداً ان استشهاد مصري واحد سيؤدي الى
ثورة شعبية مصرية شاملة ضدها، وربما الانجرار الى حرب ساخنة، او باردة في اضعف
الايمان.
نتنياهو المتغطرس المتجبر الذي يسير على الارض مثل الطاووس ويرفض الاعتذار لتركيا،
ويتطاول على باراك اوباما رئيس الدولة الاعظم في العالم بعنجهيته، اضطر مرغماً الى
الاتصال بالأخير طالباً النجدة والمساعدة لانقاذ الدبلوماسيين الاسرائيليين من
محنتهم، بعد ان رفض المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري المصري الرد على
استغاثاته، واستلام مكالماته الهاتفية.
هل هذا هو نتنياهو نفسه الذي كما قال روبرت غيتس وزير الدفاع الامريكي انه لم يتورع
عن اهانة اوباما والقاء محاضرات عليه في كيفية التعاطي مع عملية السلام، وعدم
المطالبة بتجميد المستوطنات، ووصفه اي غيت، بأنه اي نتنياهو، شخص 'ناكر للجميل
الامريكي'؟
' ' '
كنا نتمنى لو ان المشير طنطاوي لفت انظار الرئيس اوباما، وهو يطالبه بالتدخل بسرعة
لانقاذ الدبلوماسيين الاسرائيليين، بأنه (اي اوباما) لم يتدخل مطلقاً لانقاذ اطفال
قطاع غزة من حمم الصواريخ والقنابل الاسرائيلية التي كانت تهطل كالمطر على رؤوسهم
من طائرات 'اف 15' و'اف 16' الامريكية الصنع اثناء العدوان على قطاع غزة.
ولكنه للأسف لم يفعل، بينما لم يتردد لحظة في اصدار الأوامر لقوات الامن المصرية
باطلاق الرصاص على المتظاهرين وقتل اربعة منهم واصابة الف آخرين، من اجل عيون
الدبلوماسيين الاسرائيليين وسلامتهم.
من سخريات القدر ان قوات الامن المصرية التي انقذت الدبلوماسيين الاسرائيليين،
البستهم ملابس عربية ولفت رؤوسهم بالكوفية الفلسطينية لاخفاء هويتهم، وتسهيل نقلهم
الى مطار القاهرة، حيث نقلتهم طائرة عسكرية اسرائيلية الى تل ابيب، وهذا هو اسوأ
استخدام لهذه الكوفية، واساءة لها، وهي الكوفية التي باتت رمزاً للمقاومة والكرامة،
ليس في فلسطين فقط، وانما في العالم بأسره ويعتبرها الاسرائيليون للاسف رمزا
للارهاب.
وما يثير غيظنا، ويحرق اعصابنا نحن الذين نحترم الشرعية الدولية، ان نتنياهو الذي
اعتبر اقتحام السفارة الاسرائيلية من قبل متظاهرين عزل، انتهاكاً لها ، يتصرف وكأنه
رئيس وزراء سويسرا او فنلندا، وليس رئيس وزراء دولة تعتبر الأكثر انتهاكاً لهذه
القوانين والأعراف في تاريخ البشرية، من خلال احتلالها للأراضي العربية بالقوة،
وبناء المستوطنات غير الشرعية عليها، وبناء سور عنصري لالتهام اكبر قدر من الأراضي
الفلسطينية ، والعدوان على دولة، بل دول مستقلة وعضو كامل العضوية في المنظمة
الدولية، مثل لبنان وسورية، وقبلهما مصر والاردن.
اسرائيل، وبسبب غرور حكامها، فقدت اهم حليفين استراتيجيين لها في المنطقة، وهما
تركيا ومصر ، وباتت تعيش عزلة اقليمية ودولية حتى من قبل اقرب حلفائها في اوروبا،
وقريبا في امريكا نفسها، فمنطقة الشرق الاوسط كلها تتغير وبسرعة، وهؤلاء يتغيرون
ولكن الى الوراء، وهم الوحيدون الذين ما زالوا يعيشون في عصر الحرب الباردة
وأدبياتها وممارساتها.
ولعلها صدفة سعيدة ان يحلّ السيد اردوغان رئيس وزراء تركيا ضيفا على مصر اليوم، في
اول زيارة رسمية لرئيس وزراء تركي منذ 15
عاما، لوضع اسس اول تحالف استراتيجي بين البلدين الاضخم والأهم في العالم الاسلامي.
الجدران الاسمنتية حول السفارات، اوعلى الحدود الفاصلة، سواء في الضفة الغربية
اومصر او لبنان ، لن تحمي اسرائيل، ولن تحصن دبلوماسييها ومستوطنيها من غضب الشعوب.
السلام وحده هو الكفيل بذلك، ولكنها قتلت هذا السلام وعليها ان تتحمل نتائج
جريمتها.
مصر بين الاستقطاب وثورة الجياع
لقاسم المشترك الذي يجمع بين معظم الثورات
الشعبية في العالم بأسره، وفي مراحل تاريخية مختلفة، هو انصهار جميع الاطراف
المشاركة فيها،
وبغض النظر عن انتماءاتها السياسية، او ايديولوجياتها العقائدية، في
الهدف الاساسي للثورة وهو اطاحة النظام الفاسد، واطلاق عملية التغيير المأمولة،
والنهوض بالمجتمع والأخذ بيديه في الطريق الصحيح لتلبية المطالب وتحقيق الطموحات
الشعبية.
بعد انتصار الثورة تطفو الخلافات الايديولوجية على السطح، ويبدأ التنافس بين
التيارات المتعددة على الحكم، وهذا امر طبيعي ومتوقع، ولذلك ما نراه حاليا في حالتي
مصر وتونس من انقسامات وخلافات بين الاسلاميين بمختلف تياراتهم، والليبراليين
بمختلف توجهاتهم هو انسجام او تجسيد لهذه القاعدة لا يجب ان يفاجئ احدا.
الشذوذ عن هذه القاعدة، في منطقتنا العربية على الاقل، نراه في الوضع الليبي، حيث
يتفاقم الخلاف داخل المجلس الوطني الانتقالي، بين ابرز قطبيه الرئيسيين، اي الجناح
الليبرالي الذي يتكون من شخصيات عاشت وتربت في الغرب، وتريد ان يصبح مستقبل ليبيا
نسخة من اسلوب حياته، وبين الجناح الاسلامي الذي يشكل الاغلبية، سواء بين المواطنين
او في جبهات القتال، وهو جناح يعارض الليبرالية الغربية ويتمسك بالثوابت الاسلامية
وتطبيق نصوص الشريعة في اي حكم مستقبلي لليبيا ما بعد الثورة.
اليوم تمر ستة اشهر بالتمام والكمال على نجاح الثورة المصرية في اجبار الرئيس حسني
مبارك على التنحي عن كرسي الحكم، وانهيار منظومة حكمه التي استمرت ما يقرب من
الثلاثين عاما. وهي ستة اشهر حافلة بالاحداث المفاجئة، كان ابرزها، دون ادنى شك،
مثول الرئيس المخلوع في قفص الاتهام، امام محكمة شعبية، ومعه نجلاه وبعض اركان
حكمه، بتهم جنائية، تبدأ من المسؤولية عن قتل متظاهرين عزل، وتنتهي بنهب المال
العام وسرقة عرق الكادحين المعدمين من ابناء مصر.
المعركة الأبرز التي تشهدها مصر هذه الايام، ويستعر اوارها هي بين التيار الاسلامي
بتفرعاته السلفية والصوفية، وحركة الاخوان المسلمين، الاقوى والاكثر تجذرا من جهة،
وبين التيار العلماني الذي ينضوي تحت عباءته الليبراليون والقوميون والمستقلون، في
الجهة الاخرى.
مصر تشهد حاليا حالة استقطاب شرسة، تتمحور حول هذين التيارين، وتنعكس بشكل واضح في
البرامج الحوارية وافتتاحيات الصحف ومقالات كتابها، بينما يقف انصار الثورة المضادة
يراقبون هذا الصراع، ليس من موقف المحايد، وانما من موقف من يصب الزيت على نار هذه
الخلافات لزيادتها اشتعالا.
القضية الأسخن التي تحتل المكانة الأبرز في النقاشات الجدلية على الساحة المصرية
هذه الايام تتلخص في 'المبادئ الدستورية' التي يؤيدها الليبراليون والقوميون
(الناصريون من ضمنهم) ويعارضها الاسلاميون بشدة. وهي مبادئ يريد مؤيدوها ان تؤكد
على 'الدولة المدنية'، كرد على 'الدولة الاسلامية'، التي يمكن ان يرسخها الاسلاميون
في اي دستور مقبل، في حال فوزهم في اي انتخابات قادمة.
***
الليبراليون يتخوفون من الاسلاميين، ويشككون في نواياهم الديمقراطية المستقبلية،
ويخشون ان يفرضوا ايديولوجيتهم على مصر الثورة، باعتبارهم التيار الاقوى والاكثر
تنظيما، بل والاكثر حظا في الحصول على اغلبية المقاعد في اي برلمان جديد منتخب.
خوف الليبراليين في محله، وان كان غير مبرر، فطالما قبلت جميع الاطراف المنخرطة في
الثورة المصرية الاحتكام الى صناديق الاقتراع والخيار الشعبي الحر في انتخابات
نزيهة حرة، برقابة قضائية مستقلة، فإن عليها ان تقبل بما تفرزه هذه الصناديق من
نتائج، والا فإن البلاد ستغرق في الفوضى وعدم الاستقرار.
الاسلاميون وصلوا الى الحكم في تركيا، عبر صناديق الاقتراع ايضا، ولكنهم لم يفرضوا،
حتى الآن على الاقل وبعد عشر سنوات، ايديولوجيتهم على الشعب التركي، ولم يستبدلوا
الدولة الاسلامية بالدولة المدنية، وما زالت تركيا العلمانية على حالها، وصور كمال
اتاتورك مؤسسها وراعيها تتصدر العملة التركية، وكذلك تماثيله المنتشرة في جميع
الميادين الرئيسية في المدن التركية.
اسلاميو تركيا اعتمدوا على العمل، وليس الشعارات، لترسيخ حكمهم وازالة كل التشوهات
التي حاول العلمانيون واعلامهم الصاقها بهم، واحتكموا دائما للدستور وصناديق
الاقتراع، وجاءت جميع ممارساتهم الدستورية داعمة للديمقراطية وقيمها، وليس العكس،
مثلما حدث مؤخرا عندما انهوا سيطرة المؤسسة العسكرية على الحكم، وسحبوا صلاحية
المحكمة الدستورية في حل الاحزاب.
وقد يجادل البعض بأن المقارنة بين اسلاميي مصر ونظرائهم الاتراك في غير محلها، وهذا
صحيح، فالاسلاميون الاتراك وصلوا الى الحكم بعد صراع استمر خمسة عقود على الاقل،
وتعرضوا للاضطهاد وحل احزابهم اكثر من مرة، والاطاحة بحكوماتهم بانقلابات عسكرية،
ولكن الصحيح ايضا ان التيارات العلمانية في المقابل كانت في معظمها فاسدة، اغرقت
البلاد في التبعية ووهم الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، وانحدرت بالاقتصاد التركي
الى منحدرات سفلى، حيث ارتفع حجم الديون ومعدلات التضخم لأرقام فلكية.
الاسلاميون (حزب العدالة والتنمية) جعلوا من تركيا القوة السادسة اقتصاديا في
اوروبا والسادسة عشرة على مستوى العالم بأسره، دون ان يكون لديهم نفط او غاز، وانما
اساليب ادارية حديثة، ومنهج واضح حول كيفية تحفيز قيم العمل، وجذب الاستثمارات
الخارجية، وفتح اسواق للمنتوجات التركية بمختلف اشكالها.
علمانيو مصر واسلاميوها بحاجة الى دراسة هذه التجربة والاستفادة منها، والجوانب
الاقتصادية منها على وجه الخصوص، حيث تواجه بلادهم مصاعب اقتصادية متفاقمة، تنعكس
سلبا على الشعب المصري، وتضاعف من معاناته، في وقت بلغت تطلعاته ذروتها بالانفراج
والرخاء، بعد نجاحه في خلع النظام الفاسد عبر ثورته المباركة
***
ففي الاشهر الستة الماضية تراجع مدخول مصر من السياحة الذي يقدر بحوالى 14 مليار
دولار سنويا، الى اقل من الثلث، وهذا التراجع اصاب ايضا تحويلات المصريين في الخارج
المقدرة بحوالى سبعة مليارات دولار سنويا، وانهارت الاسواق المالية المصرية بسبب
هروب عشرة مليارات دولار من الاستثمارات الخارجية، والازمة المالية العالمية
الناجمة عن قضية الديون الامريكية (14 تريليون دولار) وازمة منطقة اليورو
الاقتصادية.
استمرار تدهور الاوضاع الاقتصادية في ظل انخراط النخبة السياسية في خلافاتها
الايديولوجية، قد يؤدي الى انفجار ثورة الجياع في مصر، وهي اخطر انواع الثورات على
الاطلاق، لان صبر الشعب المصري ليس بلا قاع.
المجلس العسكري الحاكم يجب ان يتحرك ايضا، ولكن في الاتجاه الصحيح. فالحكومة التي
عينها بقيادة عصام شرف تبدو اقل كفاءة مما هو متوقع، وطريقة تعاطيها مع القضايا
الاقليمية خجولة، لا تتناسب مع مكانة مصر ودورها.
من المؤسف ان الغالبية الساحقة من الشعوب العربية، وربما حتى الشعب المصري نفسه، لا
تعرف من هو وزير خارجية مصر، في وقت تغلي فيه منطقة الجوار المصري بالاحداث، حيث
الثورة والتدخل الاجنبي في ليبيا، واخرى في سورية، وثالثة في اليمن، واستقطاب طائفي
شرس في الخليج.
مستودع الثروة العالمي موجود حاليا في منطقة الخليج، حيث حوالى 500 مليار دولار
سنويا تدخل خزائن حكوماتها، بينما يعاني الاقتصاد المصري من عجز يصل الى 14 مليار
دولار حاليا، ولم نر اي مساعدة حقيقية لسده من هذه الدول.
النخبة السياسية المصرية يجب ان تركز كل جهودها حاليا حول كيفية انقاذ مصر من
ازماتها الاقتصادية، وتأجيل، او على الاقل تخفيف حدة خلافاتها لتحقيق هذا الهدف،
تماما مثلما فعلت لانجاح الثورة وازالة النظام الديكتاتوري الفاسد.
مصر يجب ان تستعيد دورها ومكانتها، وتتخذ من السياسات ما يرتقي الى هذه المكانة
وهذا الدور، من حيث التعاطي بقوة مع من يتنكرون لها ويديرون ظهورهم لأزماتها
الطاحنة، ومع من يغذون الانقسامات الحالية بالمليارات، بديلا عن انقاذ الاقتصاد
المصري، سواء اولئك الذين يدعمون العلمانيين المتطرفين او السلفيين المتشددين.
سوريا وتثوير شيعة الخليج
بعد اقل من يوم من البيان الذي اصدره مجلس
التعاون الخليجي، وانتقد فيه الاستخدام المفرط للقوة من قبل السلطات السورية في حق
مواطنيها المطالبين بالاصلاح والتغيير الديمقراطي، وبعد
خمسة اشهر من اعمال المواجهات والقتل، دعت الجامعة العربية هذه السلطات
الى الوقف الفوري لكافة اعمال العنف والحملات الأمنية ضد المدنيين،
حفاظاً على الوحدة الوطنية للشعب السوري، وحقناً لدماء المدنيين
والعسكريين، ومنع التدخلات الاجنبية. اللافت ان هذين البيانين جاءا بعد
ايام من صدور بيان مماثل عن مجلس الامن الدولي، والتحذير الذي اصدره
رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين الى الرئيس السوري بشار الاسد،
وقال فيه إنه يسير في طريق خطر باعتماده على الحلول الامنية واراقة
دماء شعبه، وبعد صرخة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان التي قال
فيها ان صبر بلاده قد نفد، وكشف عن عزمه ارسال وزير خارجيته السيد احمد
داوود اوغلو الى دمشق 'الثلاثاء' حاملا رسالة شديدة اللهجة في هذا
الصدد. الرد الرسمي السوري على جميع هذه البيانات والتحذيرات جاء اكثر
دموية من كل الردود السابقة المماثلة، فقد قتلت قوات الجيش والامن
السورية حوالى 66 شخصا في هجماتها التي شنتها امس بالدبابات والمدرعات
على مدينتي دير الزور وحمص، بينما استمرت في حصار مدينة حماة، وواصلت
عمليات التمشيط داخلها، ورقم الضحايا مرشح للارتفاع مع تقدم ساعات
الليل. السلطات السورية اعربت عن 'اسفها' لصدور بيان مجلس التعاون
الخليجي ولهجته القوية، وعدم اشارته الى الهجمات التي يشنها مسلحون ضد
قواتها، تصفهم بأنهم 'ارهابيون' ينتمون الى حركات اسلامية متطرفة، تهدف
الى زعزعة استقرار البلاد كمقدمة لاطاحة النظام. هذا 'الاستئساد' من
قبل مجلس التعاون الخليجي لم يأت من فراغ، ولا بد ان هناك 'طبخة ما'
يجري اعدادها في الغرف المغلقة، دفعت بدول المجلس الى اصدار هذا البيان
فجأة، وهي التي حرصت طوال الاشهر الخمسة الماضية على 'مغازلة' النظام
السوري، وارسال الوفود للتضامن معه، دون ان تتوقف في الوقت نفسه عن
توظيف آلتها الاعلامية الفضائية الجبارة في خدمة الجماعات السورية
المعارضة، لفضح الممارسات الدموية التي تجري على الارض، وبلغ هذا
التوظيف ذروته اثناء اقتحام دبابات الجيش السوري مدينة حماة وقتل حوالى
مئتين من ابنائها في اقل من يومين. من الواضح ان هناك عوامل عديدة دفعت
الى خروج هذا البيان الخليجي المدعوم ببيان آخر من الجامعة العربية،
ابرزها ضخامة اعداد الشهداء الذين سقطوا من جراء تكثيف السلطات السورية
لهجمتها الامنية والعسكرية، وتزايد الضغوط الداخلية، اي من قبل الشعوب
الخليجية ومؤسساتهم الدينية خاصة، على الحكومات للخروج عن صمتها واتخاذ
مواقف داعمة للانتفاضة الشعبية، وتزايد انتقادات المعارضة السورية لهذا
الصمت العربي والخليجي عامة، تجاه هذه المذابح. *** وقد يجادل البعض
بان هذه الحكومات الخليجية التي اكتشفت فجأة نعمة الاصلاح واهميتها،
وباتت تلح على نظيرتها السورية لتطبيقها، هي الاكثر حاجة لتطبيقه، وكان
الاجدر بها ان تبدأ به بنفسها تجاوبا مع مطالب شعوبها 'المؤدبة' حتى
الآن، وهذا جدل ينطوي على بعض الصحة. فالحكومات الخليجية تدرك هذه
الحقيقة وتتجاهلها، كما تجاهلتها لعقود نظيراتها العربيات الاخريات،
ولكنها اصدرت بيانها هذا مكرهة او مضطرة، لتحويل انظار شعوبها الى هدف
خارجي، اي سورية، وامتصاص بوادر نقمة شعبية تتكشف تحت الرماد. صحيح ان
الحكومات الخليجية، وبفضل ما حباها الله به من ثروات هائلة، لا تواجه
انتفاضات شعبية تضطر الى اللجوء للوسائل القمعية بمواجهتها، على غرار
ما حدث في سورية وتونس واليمن ومصر، ولكن علينا ان نتذكر امرين مهمين،
الاول ان البحرين وهي دولة خليجية واجهت احتجاجات غاضبة تطالب بالاصلاح،
ادت الى تدخل قوات سعودية لدعم توجهات النظام بقمعها، والثاني ان
الانتفاضات في دول الفقر الجمهورية جاءت بعد اكثر من اربعين عاما من
الصبر والسكينة والتحمل الاعجازي، الى ان جاء عنصر التفجير الذي اشعل
أوارها ونسف كل المعادلات والنظريات القائمة. عندما كنا نقول ان الفيل
المصري بدأ يتحرك بعد لامبالاة طال امدها، سخر منا البعض، واعتقد اننا
نبالغ في تفاؤلنا بقرب اندلاع الثورة في هذا البلد الغارق في الفساد
ومصادرة الحريات والتغول في نهب ثروات فقرائه من قبل مافيا رجال
الاعمال، المدعومة من قبل النظام، وها هي الايام تثبت كيف استطاع هذا
الفيل اكتساح كل رموز الفساد والقهر، وتقديم رأس النظام وزبانيته الى
العدالة، في محاكمة هي الأكثر حضارية في هذه المنطقة من العالم. الأمر
المؤكد ان الانتفاضة السورية غير مرشحة للتوقف قريبا، فالشعب السوري
عاقد العزم على استرداد كرامته وحريته، والأمر المؤكد ايضا ان السلطات
السورية ليست في وارد التراجع عن حلولها الامنية والعسكرية الدموية،
وغير آبهة في الوقت نفسه بالضغوط العربية والدولية المكثفة التي
تستهدفها حاليا من مختلف الجهات. ما يمكن استنتاجه من خلال رصد تطورات
الوضع في سورية والمنطقة، هو اننا نقف امام تحشيد واستقطاب طائفيين، قد
يتطوران الى حرب اقليمية واسعة بتحريض خارجي، وادوات عربية واسلامية
محلية، اذا لم يعِ النظام السوري خطورة الطريق الذي يسير فيه، ويعالج
الامور بحكمة، بعيدا عن السياسات التي تنطوي على الكثير من العناد
والعجرفة. احد المتحدثين باسم النظام السوري فاجأنا بالامس عندما اماط
اللثام وبصورة فجة، عن إمكانية الانزلاق الى هذه الهاوية الطائفية،
اثناء لقاء اجرته معه محطة 'العربية' الفضائية في برنامجها 'بانوراما'،عندما
قال إن دول الخليج تستضيف مؤتمرات للمعارضة السورية على اراضيها، وتطلق
فضائيات تحرّض طائفيا ضد سورية، وحذر، او بالاحرى، هدد، بأن بلاده
تستطيع القيام بالشيء نفسه، وتحرك الاقليات، او الجماعات الشيعية في
الدول الخليجية ضد انظمتها، ولكنها امتنعت عن ذلك حتى الآن بسبب التزام
قيادتها بالمنطلقات القومية والفكر العلماني المناهض للطائفية بأشكالها
كافة. *** التحذير خطير، ورسالة مقصودة، فلا احد يتحدث عبر الفضائيات
من الناطقين باسم النظام دون تنسيق مسبق مع مرجعياته في معظم الحالات،
ان لم يكن كلها. فالنظام في سورية ما زال متماسكا، وان كان قد انهك من
قبل طرقات مطرقة الاحتجاجات الموجعة، فلم نسمع حتى الآن عن اي انشقاقات
مهمة في سلكه الدبلوماسي او السياسي، على غرار ما حدث في دول اخرى مثل
اليمن وليبيا. ولكن هذا لا يعني انه في الوقت الذي فقد فيه الكثير من
شرعيته بفعل اندلاع المظاهرات والاحتجاجات في معظم المدن والبلدات،
باستثناء مركزين رئيسيين هما حلب ودمشق، ما زال يملك بعض الاوراق
المرعبة والتحالفات التي لا يمكن التقليل من شأنها. السلطات السورية
تشتكي من وجود بعض الجماعات المسلحة التي تطلق النار على قواتها، وهناك
ادلة على صحة بعض التقارير في هذا الخصوص، وهذا امر متوقع على اي حال،
فعندما تتعرض المدن واهلها لهجمات دموية من قبل قوات الامن والجيش، فمن
غير المستغرب ان يلجأ بعض الافراد الى السلاح دفاعا عن النفس، فلكل
قاعدة شواذ، ولكن الغالبية الساحقة من الاحتجاجات سلمية الطابع،
والغالبية الساحقة من الشهداء هم من المدنيين العزل. ما نخشاه ان تتطور
الاوضاع الى حرب اهلية طائفية، خاصة ان جهات عديدة تدفع باتجاهها وبقوة
هذه الايام، داخلية وخارجية، وهذه الحرب لو اندلعت لن تحرق سورية فقط،
وانما المنطقة بأسرها. فهل تتعظ السلطات السورية، وتوقف مجازرها لوقف
هذا السيناريو المرعب قبل حدوثه.. وتفسح المجال للاصلاحات التي تتحدث
عنها دون ان نراها.. نأمل ذلك؟.
مبارك ولحظة الحساب
بمثول الرئيس المصري 'المخلوع' حسني مبارك في قفص الاتهام امام القضاء للرد على اتهامات بالقتل والفساد، ونهب المال العام، تقف مصر والامة العربية بأسرها امام سابقة تاريخية، قد تكون الاهم
منذ عقود، بل ربما منذ قرون، فقد جرت العادة، وما زالت، ان يقتل الحكام العرب، وينهبون ويتجبرون دون اي حساب او مساءلة. إنها أرادة الشعب.. انها الشجاعة في كسر كل حواجز الخوف والرعب من الطغاة.. من اجهزتهم القمعية، من الموت نفسه دفاعا عن الكرامة.. او بالاحرى من اجل استعادتها.. او انتزاعها من براثن اناس ولغوا في اهانة شعوبهم وسحق كرامتهم وتحطيم عزة أنفسهم. ان يدخل الرئيس 'المخلوع'.. ونصرّ بقوة على كلمة 'المخلوع'، الى قاعة المحكمة، على كرسي متحرك او على سرير الموت، سيان، المهم ان يمثل امام القضاء، كشخص مجرم مدان، وسط بطانته السيئة، وادوات القتل والتدمير، مع ابنيه اللذين عاثا في الارض فسادا، وراكما المليارات من عرق الفقراء والمطحونين. لا تعاطف مع الطغاة.. ولا شفقة مع من تعاطى مع شعبه كما لو انه قطيع من الاغنام، ومع بلاده كما لو انها مزرعة له ولنسله غير المقدس، ي
|